في سوسيولوجيا شعارات المجتمع المدني

Publié le par Kostani

 

 

 

في سوسيولوجيا شعارات ومصطلحات المجتمع المدني

 

تعتبر اليوم مصطلحات الحكامة والتنمية المحلية والمستدامة والبشرية وما يرافقها من مقاربات مثل المشاركة وغيرها،   دالات ذات بريق في السوق التداولي في "العلوم الانسانية" في بعدها العملي  والتدخلي خاصة، كما أنها الخبز اليومي، ولسوء الحظ ليس دوما عن استيعاب، للأنشطة الجمعوية في المغرب. ولعل فحص هذه المصطلحات عن قرب يمكن المساعدة على فهم البريق ذاك من جهة ومدى قوتها وإجرائيتها من جهة ثانية.

إن الذي يجب أن نسجله منذ البداية أن هذه المفاهيم لا زالت في طور التشكل والإنبناء، وأنها لازالت تثير من الأسئلة أكثر من الحلول.  إذ لم تدمج بعد بما فيه الكفاية في المعرفة المعيارية.

لقد طفت هذه المفاهيم على سطح النقاش منذ السبعينات كمحاولة التفاف حول الماركسية وكمحاولة ترميمية للرأسمالية ومرجعيتها الفكرية اللبيرالية. وذلك كنقد للمفهوم التنموي الكلاسيكي لما بعد الحرب: التنمية_ النمو. مفهوم يغفل الجوانب غير الانتاجية في التنمية، الاجتماعية والإنسانية والثقافية، وهي الأبعاد التي ستحاول المصطلحات أعلاه إعادة الاعتبار لها في أفق إصلاح الليبرالية والتخفبف من طابعها الاستغلالي الذي ركزت عليه الماركسية، وذلك في أفق التقويم والإصلاح وليس التثوير.

   الأمر الذي سيتقوى مع سقوط الاتحاد السوفياتي بظهور مصطلحات آخرى مثل الحكامة الذي هو  توجه عقلاني نحو التدبير، والمشاركة  كتوجه نحو الدمقراطية... شبه ثورة إذا حدثت على مستوى البنية الفوقية للمجتمع الرأسمالي.

استدامة المشاريع والمحافظة على البيئة و انسجام استغلال الموارد والتفكير في مصلحة الأجيال المقبلة، تلك هي أعمدة الشعارات الجديدة التي رفعتها المنظمات الدولية  في اللقاءات الدولية الكبرى أولا ثم  المجتمع المدني والمدن ثانية ثم الدول ثالثة.

لن نرجع إلى تاريخ المصطلحات ولن نناقشها خطيا لأن المقام لايسمح بذلك. لكنه يمكن أن نسجل وبارتياح كبير أنها منهجيا جد مفيدة للتفكير الاجتماعي، فهي تعيدنا إلى المشاركة والإشراك،  كما تعلمنا حسنة وفضل الإصغاء والرأي والرأي المضاد وبناء المشاريع وغيرها من التقنيات المرافقة من مرافعة وتعبئة وتفاوض..

لم تبرز هذه المصطلحات كبديل قوي إلا عندما استنفذت المقاربات التنموية التقليدية طاقاتها وأبانت عن فشلها وعجزها في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، منها بالخصوص.

لقد كانت المقاربة السائدة هي السياسوية_الإدارية _التقنوية. وقد كانت تنطلق من وهم أساسي ومستبق مركزي انبنى على احتقار الميدان المراد التدخل فيه بدعوى الجهل. ومن ثمة فوقية المقاربة ومركزيتها الشديدة، انطلاقا من كون المعرفة والتدبير والخبرة لا يملكها سوى صاحب القرار والإداري والمختص. ومن ثمة لا يجب أن ينبع القرار إلا من المركز لينفذ بعد ذلك أو ينتشر في أحسن الأحوال.

وقد كان هذا الوهم يستقي "مشروعيته" من مرجعيتين مختلفتين ومتكاملتين، إحداهمااجتماعية موضوعية تتجلى في كون المشاريع لم تحصل على تراكم يهبها مسافة النقد والمسائلة، ومن ثمة طغيان التجريب وتضخم الاعتداد بالنفس في بحر من التخلف والجهل والأمية، أما ثانيهما فإبستمولوجي ويرجع إلى التصور الكلاسيكي لمفهوم الحقيقة، والذي لم يكن تصورا علميا بقدر ما كان مذهبية ميتافيزيقية قبعلمية تصل إلى حدود البؤس عندما يتمثل العالم ساحرا يستطيع أن يحل كل المشاكل دون عوائق .

سمات المقاربة التقليدية إذا سلبية، أهمها المركزية الشديدة والثقة الميتافيزيقية في العالم، بل وفي الفهم الخاطئ والمبالغ فيه لمفهوم العلم، الأمر الذي أسقط المشاريع في الفشل والعود الأبدي إلى الصفر، وتبدى العالم الثالث كمقبرة كبرى للمشاريع، بل وبدأ التساؤل عن طبيعة ما في رفض المشاريع Kabon Axelle « Et si l’Afrique refusait le développement »   ، تلك المشاريع التي تلقى مقاومات شديدة من لدن الميدان المستهدف من جهة، وعدم استدامتها إذا ما انطلقت من جهة ثانية، وإذا ما كانت هناك استدامة ما، كانت جد مكلفة ماديا وموارد بشرية لصيانة مشاريع ذات نفع قليل المردود.

ذلك هو الوضع السيئ الذي قاد المنظمات الدولية ،خصوصا، لتعيد النظر في أساليب اشتغالها لتكتشف مقاربات جديدة مثل التشارك والنوع والبحث التدخلي. تلك المقاربات التي استفادت ميدانيا من أزمة الديمقراطية في العالم الثالث ومعوقات إنجاز واستدامة المشاريع. وإبستمولوجيا من المفهوم الجديد للعلم، ذلك المفهوم الذي دشنه الابستمولوجيون الكبار أمثال بياجي وباشلار وبوبر، انطلاقا من الأزمات العلمية التي فرضت أن يصبح العلم أقل طموحا وأكثر تواضعا، ومع العلوم الإنسانية، الأنثروبولوجيا ومفهوم الملاحظة بالمشاركة ابتداء بمالينوفسكي، والسيكولوجيا التطبيقية مع كارل لوين، وكذلك سوسيولوجيا اليومي والفينومينولوجيا مع مافيسولي وآخرين ...، أصبح العلم يشرك معه باقي المعارف المسماة قبل ذلك غير علمية مثل المعرفة التقليدية للساكنة والمتعلمين Le savoir faire  . ويهب الثقة في تصور وصياغة وإنجاز مشاريع غالبا صغرى ومتوسطة، لكنها دقيقة وناجعة ومستوحاة من الميدان وقابلة للإنجاز والاستدامة والتقويم، انطلاقا من حاجيات يتمرس على تقنيات ومناهج لاستخراجها.

للمصطلحات أعلاه إذا مرجعية ابستمولوجية هي التصور الجديد للعلم، وصعود العلوم الإنسانية وكذلك مرجعية اجتماعية دولية هي الرغبة في إنجاز واستدامة المشاريع، وكذلك مرجعية ديمقراطية نظرا لأزمة هذه الأخيرة وتعثرها في البلدان النامية.

إلا أن الأمر لا يجب أن يجعلنا نغفل الوجه الآخر للعملة والذي ليس سوى نوعا من التعبير عن فك التزام الدولة عن واجباتها والقفز على التزاماتها الاجتماعية التقليدية تجاه المجتمع وموت الدولة الرعاية، الأمر الذي سيسقطنا في الليبرالية المتوحشة والفتك حتى بالأبعاد _الشعارات نفسها المتبناة من طرف دعاة المصطلحات  أعلاه.

حذر مزدوج إذا يسائلنا عندما نقارب هذه المصطلحات، حذر التزام المثقف تجاه مجتمعه، وحذر سوسيولوجي يسائلنا عن مدى الصدق والملائمة.

Publicité

Publié dans sociologie

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article
S
<br /> merci à vous professeur.<br />
Répondre