قرية بدون نخيل وبدون زيتون
قرية بدون نخيل وبدون زيتون
لازلت أذكر ذلك اليوم جيدا، كانت الشمس قد آذنت للمغيب، كنت ألهو مع الأتراب في فم القصر كما نفعل كل مساء. لم أشعر إلا وكف أعرفه جيدا يأخذ بيدي بقوة ويجرني تجاه المزرعة، إنها أمي في وشاحها الأسود تأمرني أن أتبعها. سرت وراءها مهرولا إذ كانت تمشي مسرعة نحو الحقول بخطى تشبه الجري. أحسست بشيء خطير ينسج في الفضاء، إذ لم أر قط وجه أمي بذلك الحنق والعبوس. قطعنا المسافة الفاصلة بين القصر وحقولنا بسرعة فائقة، وما أن أشرفنا على الوصول حتى أمسكت أمي بيدي مرة أخرى وهي تصيح تجاه جمع من البشر تبينت أبي وأخي الأكبر بينهم. أخذت تقدمني للجمع وتصيح:
_ نحن لا نريد بيع أي شيء، أنا بالله وبالشرع ابتعدوا عنا.
انفض الجمع في لمح البصر وعدنا أنا وأمي نسبق الأب وابنه البكر، رجعنا وفي عيون أمي شيء من فرحة الانتصار. لقد أفهمتني بعد ذلك أن أخي أقنع أبي أن يبيع المزرعة التي ورثها عن آبائه لنرحل نحو قرى لا تعرف الجفاف،الأمر الذي وقفت ضده بقوة وفوضت نفسها لتقنع الشاري المحتمل بابتعاده عن تركة أبناء لازال منهم أطفال يحتاجون إلى ضمان، وما من ضمان في الواحات أفضل من الفدادين.
منذ الحادث غرست في القلب حب الأرض، وما فعلت في حياتي غير رعاية ذلك الحب بما أوتيت من حيل.
مر اليوم ولم نبع المزرعة، إلا أن أخي البكر بقي يراود الوالدين حتى أقنعهما بالرحيل، ليجربا البلدة الموعودة التي تجري من تحتها الأنهار والتي لا يجوع أهلها أبدا خاصة فقيه مسجدهم الذي تملأ الساكنة سلاله العملاقة قمحا وشعيرا وذرة وبطاطس...
_ والثلج؟
كانت تسأل أمي، لكنه بسرعة يحول الحديث نحو سوق القرية الموعودة وخضره وفواكهه وسلعه التي تأتي مباشرة من فاس. فاس القرويين، الجامع الذي لم يقدر للوالد أن يدرس به.
_"أمتي في المدن، وبعضهم في القرى" كان يردد الوالد.
هكذا اتفق على التجريب، التجريب فحسب تؤكد الوالدة، واختير فصل الصيف للرحيل.
جمع أثاثنا الزهيد وحمل فوق شاحنة مهترئة. لم نشعر بالطريق حتى أيقظتنا شمس الصباح في ما يشبه مدينة بشارع مركزي ودور قرميدية مائلة السطوح.
_ هي مائلة لانزلاق الثلج.
علق ابن أخي الذي يكبرني سنا والذي يحلو له أن يفسر لي كل شيء.
_ مالنا والثلج.
أجبت بعفوية الصحراوي الذي يكره البرد.
أحضروا لنا خبزا بداخله فلفلا عملاقا أخضر، كان الفلفل المشوي لذيذا لكنه فلفل نراه لأول مرة، نحن في الواحات لا نعرف سوى الفلفل الدقيق الحار الذي يحرق الأفواه. ازدردنا فطورنا تحت أنظار صبية ينطون من شجرة إلى أخرى في حديقة المدينة. حديقة بدون سور وبدون أشجار الفاكهة، ومشاعة للجميع،هذا ثاني شيء غريب ألمحه هذا الصباح.
_ لعنة الله على هذه القرود الآدمية، يبحلقون فينا كأن فينا العجب.
ها هي القرية الجديدة، بدون نخيل وبدون زيتون، هل يمكن أن تكون هناك قرية بدون نخيل وبدون زيتون؟ ها هي القرية تعلمنا أولى أبجديات الاختلاف، الصفصاف بدل النخيل والبرقوق بدل الرمان والبطاطس بدل الفصا، البطاطس في كل مكان وفي كل الوجبات، البطاطس بالماء، البطاطس بالزيت، البطاطس بالبطاطس...
والمنزل؟ يا ربي ما هذا المنزل بدون طوابق، بدون اسطبلات.
_هل يمكن تصور منزل بدون بقرة؟
كانت تردد أمي، هو سرداب أقرب منه إلى منزل. كنا ننام البعض في داخل الداخل والبعض في الوسط والبعض قرب الباب. غير أن العشب النابت في الجدار كان سلوتي، عشب ينبت في جدار منزلك، هذا ترف، كنت أجلس ساعات وساعات أرقب العشب الأخضر تلعب به الصبا وعندما أتعب أتجه نحو البئر البذخ أيضا، بئر يمكن أن تلمس ماءه بيديك، في حين كان جر الدلو من آبار الواحة يستغرقك جهدا ووقتا، ما هذه الوفرة وما هذا النعيم؟ وحول البئر يروح ويجيء البط ودجاج الماء، وغير بعيد تنتشر شقائق النعمان. ورغم ذلك فليس هناك شيء يمكن أن ينسيك النخيل والبقرة والبرسيم. بكت أمي حتى احمرت عيناها ورحلونا إلى منزل معلم القرية بغرفتين وممر، كنا ننام في غرفة اليمين والممر مساء، ونطهو غذاءنا في الممر نهارا، أما غرفة اليسار فهي خزين سلال عملاقة ثلاث، إحداها للقمح والأخرى للشعير والثالثة للذرة. أما سلوتي في المنزل الثاني فكان زجاج النوافذ العراقية الزرقاء وأنين الريح يمر بين دفتي النافذة.
كل شيء هنا مختلف وشيء ما متقدم عن مستوى الواحة. السوق مثلا كان أوسع من سوق قريتنا، سلعه أوفر وخدماته عصرية مثل المسلخ وماء الصنابير وأفران اللحم المشوي. بائع الماء المثلج كان يسحرني بقمقمه الأصفر وزيه المزين بالنقود القديمة. كان هناك طريقان موازيان يؤديان للسوق، الأول هو الطريق المعبدة الرابطة فاس بالصحراء والثاني يخترق المزرعة الخضراء التي تفتح أمامك بصفصافة عملاقة علقت عليها جمجمة حيوان ما أن تنتهي من القرية جهة الغرب، تمر فوق قنطرة خشبية وضعت فوق ما يسمونه واديا، لكنه بقياس أودية الواحات ليس سوى ساقية.
_ واد صغير لكنه دائم الجريان أفضل من واد عملاق فارغ طوال السنة وعندما تغمره المياه يأتي على الأخضر واليابس.
كان يحلو للأخ الكبير أن يعلق كلما سخرنا من اسم الوادي في قاموسهم.
ثم حلت الحمى ومرض الأب والأخوين الكبيرين واحتلوا غرفة اليمين وأصبحنا كلنا نسكن الممر.
السلوى الوحيدة لأمي وزوجة أخي هي التلة المطلة على الطريق، الطريق أصبحت كل شيء بالنسبة لنا نرقب شاحنات الحصادين يعودون إلى الصحراء.
أقسمت الأم أن تعود لدارها بزوجها أو بدونه.