الشجرة
الشجرة
حل بمنزلنا ذات مساء رجل غريب وقور بسمات مترفة، الشعر الأبيض والعينان الزرقاوان والأنف والذقن
النبيلين. كان يلبس جلبابا وبريا فوق بدلة أوروبية، وكان يبدي أريحية كبيرة توجها لما وضع في كفي قطعة نقدية كبيرة لم يسعفني الحظ ولم أحلم قبل ذلك حتى في رؤيتها أولمسها.
رحب به الوالد والإخوة وأقيمت على شرفه مأدبة خاصة حضرها كثير من المدعوين. كثر الحديث عن الوافد
الجديد وزاد فضولي لمعرفة ماذا يبغيه منا ولماذا جاء من بلدة بعيدة ليحل بين ظهرانينا ضيفا استثنائيا.
لم يطل فضولي حتى أسر لي ابن أخي بإن الغريب جاء يبحث عن الشجرة. كيف يبحث عن الشجرة في المنازل،
الشجر في الغابة أو المزرعة. ابتسم من أنا عمه بخبث وأردف إنها شجرة العائلة، فهو يدعي الإنتماء إلى أسرتنا وقد وافقه الوالد على ذلك بعدما أنكرته قسمة العشيرة في أعلى الوادي خوفا من أن يطلب نصيبه من
هبات الزاوية. بدلا من أن يوضح لي شيئا عقد الأمر في ذهني، الشجرة والأعطيات والإنتماء كلها أمور غامضة وتستدعي نضجا ذهنيا لم أصل إليه بعد. وحتى يعقد ابن الأخ الأمر أكثر استرسل يحكي لي أن الرجل نجار
كبير وإنسان ثري تخاصم ذات يوم مع شخص آخر نعته بالحمار، وحتى ينزع الحمارية عنه دعاه إلى القاضي الذي فرض عليه الشجرة، شجرة الشرفاء. وما شجرة الشرفاء؟ سألت، هي ورقة يعطيها المزوار أو نقيب الشرفاء،
وحتي تعطى له الورقة لابد من إثنا عشر شاهدا على أنه من سلالة جد الروضة، إنهم أولئك المدعوين للعشاء. نحن إذا شرفاء؟ وأكثر أردف من أنا عمه، نهب الشرف لمن نشاء.
سيرجع الرجل الثري عدة مرات وسيصنع ذات صيف وبحذق كبير كل أبواب ونوافذ منزل أخي. يومها قلت لابنه
الذي كان في مثل سني والذي كان نجارا مثل أبيه. ربما نحن الذين يجب علينا أن نطلب وثيقة الشرف منكم، ولماذا سأل باستغراب، لأننا نعجز كلية عن صنع مثل هذا الباب، من يصنع الخوخة شريف بدون شك، ولكن من
ينزع الحمارية عنا غيركم أردف دون تردد.
منذ يوم الحمارية قررت أن أبحث عن الشجرة.
_في الإسم
إسم القسطاني أو بالضبط القسطني كما ينطق تداوليا، إسم غريب محليا وربما في المجال الأعلامي
الأمازيغي كله، في حين نجد دلالات كثيرة له في لسان العرب منها قوس قزح... وكذلك في التداول العربي الدارج عندما يتحدث عن القسطل تلك الثمرة المعلومة. ومن هنا يحتمل أن يكون الأصل هو القسطالي أو
القسطلي وتحول اللام نونا كما في نطق الساكنة السوداء في الواحات، وهم يشكلون الأغلبية في حارة العشيرة.
وربما القسطلاني تبركا بصاحب الإرشاد كما ذكر لي أحد الأخوال، وكما ثبت وبدقة وتكرار في آخر
قسمة للعائلة والمؤرخة ب 1332ه" هذا قسمة صحيحة فرضية بين سيدي الهاشمي بن محمد وبين أبناء محمد سيدي الطيب بن محمد وأخيه سيدي بن محمد ضما من جميع ما ترك لهم سيدي محمد ضما الكبيربن القسطلاني وسيدي
محمد الصغير القسطلاني وسيدي لحسن القسطلاني كلهم أبناء الأب والأم يعني أبناء للا امغار..." وكذلك في وثيقة بيع أقدم بكثير 1280ه، حيث تبدأ
الوثيقة كالتالي:" الحمد لله اشتريا بحول الله وقوته المرابطان الأخوان السيد العربي بن سيدي وسيدي الحبيب بن سيدي القسطلاني البابا سيدي نفعنا الله به من البائع..." والوثيقتان أصليتان وموقعتان من طرف
الفقيه الموثق وأهل العقد، غير أن توقيع الوثيقة الأولى، وهو من طرف أب كاتب هذه السطور وابن عمه، كان توقيع الأب بالقسطلاني وتوقيع العم بالقسطاني، وربما لاختلاف في ميول الشخصيتين، شخصية الأب العالمة
وشخصية العم العامية.
ويبدو أن الأمر مرتبط بالإستعمال المحلي للقسطلاني
الذي أصبح بعد ذلك القسطاني تخفيفا، وجميع الوثائق اللاحقة ستتحدث عن القسطاني وليس القسطلاني، وبذلك فالأمر ربما كنية رجل بعينه، كما ذكر في وثيقة القسمة، القسطلاني كأب لسيدي محمد الصغير وسيدي محمد
الكبير وسيدي لحسن، سيدي محمد الصغير سيلد سيدي الهاشمي وسيدي محمد الصغير سيلد سيدي الطيبي وسيدي بن محمد أب كاتب هذه السطور، وبذلك استحوذ اسم القسطني على أسماء أخرى سنتحدث عنها بعد
حين.
وعندما نفحص كتب التاريخ نكاد لا نجد أثرا للقسطاني، في حين يذكر أبو عمرو القسطلي المراكشي المتصوف
الثري صاحب الزاوية وشيخ أبي بكر الدلائي الذي نصحه بتأسيس زاوية تطعم الفقير وابن السبيل في بلاد الدلاء كما يفعل هو في مراكش.. وعلاقة العشيرة القسطانية بمراكش مزدوجة، إقامة جدهم البعيد بابا سيدي أو
سيدي أوسيدي تارودانت بها من جهة، وبناء قبيلتي إملوان وإيت إمور قبر ثان للجدة العليا للعشيرة إمي حكا علي لما هجرهم مولاي اسماعيل إلى أحواز مراكش، بين المدينة المرابطية وإمي نتانونت، لما بقي غضبه
عليهم مستمرا ولم يرخص عودتهم إلى غريس رغم عفوه عن جل المغضوب عليهم. وربما فسر هذا من بين أمور أخرى الغموض الذي يلف تاريخ العشيرة كله. أما ابن دراج القسطلي نسبة إلى قسطلة الأندلس فهو غني عن
التعريف، وكذلك علاقة العشيرة بالأندلس مذكورة بالتواتر الشفهي وبكنية جدهم الأعلى سيدي وسيدي واندلوس، ورحلات من وإلى سوس والأندلس في العهدين المرابطي والموحدي جد متواترة وبارزة في كتب التاريخ.
أما العلاقة بالقسطلاني المصري صاحب إرشاد الساري إذا ما كانت هناك علاقة، فربما ليست سوى نوعا من
حب الطلبة التشبه بالعلماء والمشاهير.
_في الموطن
يسمع باسم قسطاني وقسطني خارج المغرب في الجزائر وتونس وسوريا والعراق، أما في المغرب فمقره
تاديغوست خاصة، ومما يِؤكد ربما كون الإسم ليس سوى كنية أن أبناء عمومتهم بأموكر بتاغيا وسط وادي غريس لا يحملون سوى اسما عاما هو إكرامن، والذي يعني
الصلحاء والأولياء وهو إسم يطلق أيضا وبيسر شديد على العشيرة. أما المناطق الأخرى التي لها علاقة بالعشيرة رحمية وغيرها، دون ذكر الإسم تارة وذكره تارة فهي تارودانت كموطن الجد الأعلى، وربما تونفيت عند
قبيلة إلمشان، ومكناس حيث يوجد مستوصف في المدينة القديمة يحمل اسم رياض القسطاني، بالضبط كما يكتب اسم العشيرة الرسمي. وربما في الرشيدية إذا ما ثبتت علاقة ما بين العشيرة ومولاي الصادق بقصر تازوكة
بالخنق أسفل سد الحسن الداخل، وهي علاقة لم أسمع بها إلا مؤخرا ولم ترد قط في حديث العشيرة. كما سمعت مؤخرا أيضا عن مزارات للجدة العليا ليس في مراكش فحسب بل وفي مكناس عند قرية جري في مجال قبائل كروان
وأيت نضير كقبائل استوطنت غريس قبل أن تهاجر أو تهجر إلى مناطق أخرى منها مكناس، كما وصلني مؤخرا تواجد مزار لأحد أبناء الولية الجدة بالطالعة طريق مولاي ادريس لعين عرمة.
_قرائن الطوبونيمية
أسماء الأماكن المرتبطة بالعشيرة جلها عربي، ويمكن أن نذكر منها اسم القصر نفسه، الحارة وأسماء
المعمار، الخلوة والروضة ودار الصابون وأسماء المزرعة والحقول، تحت الباكور وفم الزقاق وغيرها، كما أنها لم تمزغ كما يفعل بالألفاظ العربية المستعملة في الحقل الدلالي للثقافة الأمازيغية. ولا نريد أي
حسم هنا، لكن قرائن أخرى ستقوي الجذور العربية أو المستعربة دون أي حكم قيمة، مع عدم إهمال فرضية أهمية الإنتساب إلى الثقافة العربية بالنسبة لكل من له علاقة بالقرآن والفقه والتصوف
والصلاح.
_قرائن أنوماستيكية
ويتقوى الأمر أكثر عندما نذكر الأسماء الشخصية لذكور العشيرة وإناثها، الطيب والهاشمي والعربي
والحبيب والكبير والصغيروعائشة ورقية والعزيزة... وهي أسماء غائبة كلية عند الأمازيغ البدو والمقيمين وعند الإثنيات الأخرى السود وإمازيغن. ورغم ذلك فهناك في العشيرة أسماء أمازيغية قحة مثل عسو وحمو،
أما موح وموحى فهي ترخيم محمد.
_التواتر الشفهي
يتواتر شفهيا وبيسر شديد أن الجذور سوسية وبالضبط تارودانتية، كما يتواتر إسم آخر يجمعنا مع قسمة من
أباء عمومة مخانق الوادي وهو إحريرن الذي يعني الحريري وارتباطه بجذور أندلسية.
_المكتوب
لفحص الجذور غالبا ما يسقط البحث في النسب الشريف، وهو نسب متواتر لكن بحذر وغموض، حذر قواه ورع
الوالد الذي يتحاشى الكلام في الموضوع وغموض يرتبط بعدم ذكر العشيرة باسمها المتواتر في كتب النسابة والتراجم. غير أن إسم أبناء تاحاكيت كأحد بطون أبناء عمر بن إدريس بن إدريس، ذكر في غير ما مرجع. عمر
هذا الذي تذهب إليه الشجرة التي تسلمتها العشيرة من محكمة كلميمة إثر قصة الرجل الذي جاء يطلب الإنتساب.
تقول الوثيقة غير الموقعة:
وبعد فقد أراد هذا العبد الضعيف المذنب الراجي رحمة ربه أن يبين نسبه وهو من سلسلة
النبوة.
وهو ابن السيد محمد الصوفي بن الحسن بن يوسف بن اما حكى علي وبابا سيدي بن عبد الرحمن بن امحمد فتحا
بن عبد الهادي بن احمد بن احمد فتحا بن الحسن بن سليمان بن مهدي بن محمد بن واضح بن حناف بن يزيد بن عاقل بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بن يحيا بن علي بن محمد بن عيسى بن الحسن بن عمر بن
ادريس بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه
والسلام
كلميمة في 19 نونبر 1985
ويبدو من التاريخ أنها نسخة لأصل ضاع ربما كان مختوما وموقعا وهو ما أظن رأيته دون أن أجزم في
الأمر، أما وثيقة شهادة الإثنا عشر شاهدا فأجزم بوجودها موقعة.
فيما يخص كتب الأنساب والسير والتراجم لم يسعفنا الحظ في العثور على شيء يشفي الغليل غير بعض
الصفحات القليلة من كتاب التشوف، مطبوعات معهد الأبحاث العليا، الجزء الثاني عشر صفحات348 حتى 351تحت عنوان، ومنهم أبو محمد صالح بن واندلوس السوسي. وسننقل هنا أهم ما ورد حول سيدي
وسيدي.
" أصله من تارودانت واستوطن مراكش وأغمات وريكة بعد أن حج واستقر أخيرا بالسوس الأقصى وبه مات رحمه
الله بعد التسعين وخمسمائة وكان من الأفراد... لما عقلت_كلام سيدي وسيدي_ كسرت خوابي المسكر لأهلي فسجنوني...فخرجت من السجن وتوجهت إلى المشرق.
وحدثوا عنه أنه لما وصل إلى بلده تصدق على المساكين بجميع ما ورثه من أبيه من أملاك ولم يتمسك
بشيء.
وكان المساكين لايفارقون منزله..."
أما باقي مضمون النص فيتحدث عن كشوفات الرجل وعلاقته بالجن.
أما إذا كانت هناك علاقة نسب بأبناء عمر بن ادريس فقد ثبت تاريخيا و في عديد من كتب التراجم والسير،
سلوة الأنفاس مثلا، انتشار ذريته بسوس بعدما ولي غمارة ودفن إلى جانب أخيه بفاس.
هذه بعض الأفكار التي لاتزال محتاجة إلى تأمل ونظر وأرجح البحث خارج التسمية لكونها في رأيي ليست
سوى كنية سعيدة، لكنها أخفت ما هو أوثق من مثل الحريري وما حكا علي أما الصوفي فهو أيضا اسم يحمله عدد غفير من أولياء المغرب.
عندما أسأل أمي عن النسب الشريف تريني إبهامها اليمني وقد تورم بكثرة الإستعمال في جز البرسم مرددة:
هذا هو الشرف.
وهذا نداء لكل من يعتبر نفسه معنيا ويمكن أن أن يقدما إضافة.
Publicité