للاة فاطمة
صعدت للا فاطمة إلى سطح المنزل المطل على فم روضة الولي ومقبرة العشيرة لتتفقد حمامها من جهة، ولتتملى المنظرين الرائعين الذين يلخصان القرية والحياة بها، بل وربما الحياة حتى خارجها، المزرعة وبحر الزيتون والنخيل والأثل على اليمين والصحراء والتلال الحمراء على الشمال، كالتوزيع الأخروي تماما كانت تفكر للا فاطمة كلما صعدت إلى السطح المرصد.
تذكرت الصغيرة سبب انزعاجها وتلهفها على الصعود إلى السطح رغم عدم يبسه بما فيه الكفاية، تذكرت الحمام الرمادي الجديد الذي أهدته إياها بيحا، الطفلة اليهودية التي في مثل سنها والتي أخبرتها بسر قدرة ذلك الحمام على حمل الرسائل من بلد إلى آخر، وهو كلام لم تعره للافاطمة أي اهتمام.
فتحت للا فاطمة باب خم الحمام، وكم كانت مفاجئتها عظيمة لما لمحت شيئا غريبا في رجل الحمام الذي سلطت عليه أشعة شمس ما بعد العصر فانعكست في العنق كطوق فضة سبكه أبو بيحا، استسلم الحمام الصغير لكف لطيف آمن يحمله ولفم حنون يلثمه.
فكت الشريفة خيط الوريقة الملفوفة كوثيقة ملك أو قسمة إرث للعصافير، فتحت البراءة بأناملها الدقيقة، قبل أن تقرأها تفكرت وصية الولي الكبير ووصايا كل أبنائه وأحفاده في أن توهب كل فتاة حفظت كتاب الله فدانا وأن يتبع بفدادين كلما حفظ كتاب من الأمهات الصحاح كالمِوطأ أو ابن عاشر أو سيدي خليل... على الأقل هناك ما تصلح له القراءة غير امتلاك لا يغني ولا يسمن من جوع مادامت حيل الإخوة وأبناء العم تحول دائما دون تنفيذ الحيازة والتمتع .
فكت الصغيرة الحافظة للقرآن الكاغد فوجدت ما يلي:
أهل البلدة السعيدة، نحن هنا في أقصى أسفل واحات النخيل نستغيث بكم أهل الجبال، فالنصراني لم يعد بيننا وبينه سوى مسيرة ساعات، أغيثونا راجلين أو ركبانا أو بما استطعتم من أموال أو زاد، واقانا الله ووقاكم شر عدو الله وعدو الدين.
صعدت للا فاطمة الدرج الحلزوني نحو المصرية مهرولة وهي لا تكاد تحبس أنفاسها، فتحت الباب على أبيها الكهل دون استئذان.
كان الرجل جالسا على جلد كبش عيد تآكل بفعل الزمان وبيده كتاب من الأمهات، لا يمكن أن تحمل يدا الرجل مصحفا لأنه وببساطة يحمل محتواه، كل محتواه، في صدره. كان رجلا في السبعين من عمره أبيض اللحية رقيقها، يحمل رأسه الحليق عمامة بيضاء خفيفة، كان يقول بأن الإسراف في اللحية والعمامة يذهبان الوقار، يميل لونه إلى الاصفرار بشكل ملفت، وكذلك نحافته، وفقدانه عينا واحدة، وهي كلها علامات لا تترك من يراه ينساه أبدا، إضافة إلى قوة ما في روح الرجل تخيف العتاة من أهل القرية والوافدين، ورغم بأسه ذاك المعروف عنه وشدته في نصرة الحق، فقد كان جد رؤوف بالأطفال والنساء، فهو الرجل الوحيد في العائلة الذي يفتح لهن أبواب البساتين ويترك زوجته الشريفة تخرج إلى المزرعة مع نساء الخماسين، وهو الطالب الوحيد الذي كان يكتب شعرا أمازيغيا في لوحه الخشبي و يعلن دون تحفظ ولعه بالقصيد، تسميه الساكنة رغما عنه الرجل الصالح وهو الذي أوصى ألا تبنى روضة على قبره، لقد كان مذهبه التقوى أولا والعمل ثانيا، وما دون ذلك فأباطيل وتدليس، وكان يعبر عن ذلك بقوله أن المتشدد إما هارب من شيء أو هارب إلى شيء، أما التصوف ففوق الشبعة ونحن في بلد نصف ساكنته من الفقراء وسبع سنواته فقط ممطرة. وقد وافق مذهبه هذا سلوك زوجته بشكل غريب، فأنكرا كل استغلال للنسب لأهل البيت، رغم احترامهما الشديد لكل رائحة تأتي من سيد الخلق، كما أنكرا بقوة كل أساليب المشعوذين والدجالين.
- ما ورائك فاطمة، لماذا تلهثين هكذا؟
- خذ وأقرأ ما في هذه البراءة
أخذ الرجل الصالح الوريقة وقربها من عينه السليمة ومن ضوء النافذة، تفحصها جيدا وسأل قرة عينه:
- من أين جاءك هذا الخطاب؟
- من رجل الحمام الذي أهدته إياي بيحا
صمت قليلا ثم أمر ابنته أن تجلس بجواره.
- صحيح أن إغاثة المسلم لأخيه المسلم واجب ديني ، لكن هناك أمور لا تتقنها نحن أهل الواحات الصغرى، نحن يا بنيتي رغم مستوانا العلمي أشبه بالفلاحين والخماسين منه من الأسياد، لا يجب أن نغتر بتبجيل أهل الحارة لنا، إنهم في المدن وفي الواحات الكبرى يعرفون ما يريدون ولا يفصحون عنه، ونحن أهل نية لا نفهم ما يقع حتى يمر الحال، من الأفضل لنا أن نتريث دوما، فقد اختلط الحق بالباطل هذه الأيام ولا ندري من في المشروعية ومن في الإدعاء والدجل، وقد سمعت خروج رجال كثر يريدون الرئاسة، بعضهم باسم الدين والبعض الآخر باسم الجهاد، وأكثر من ذلك هناك نصارى بزي المسلمين انطلقوا يعيثون في الأرض فسادا بفرق تسد، نحن هنا يا حبيبتي حتى نرى ما سيصنع الله، لقد خرجت عواما قبل أن تولدين عدة مرات، شاركت في معارك بودنيب ومسكي وأمكلكال وغيرها، وجئت أمك عدة مرات بعمامتي وفيها ألف ثقب بارود، بل وأنا الذي أوصد ت الباب على الدجال الفتان المدعي الذي شكل مخزنا صغيرا بجيش وفرقة موسيقية وعبيد وراية وخاتم، في الوقت الذي قبل دعوته جل أهل القرية.
شعرت للا فاطمة الصغيرة بنشوة ما بعدها نشوة، وحاولت استزادته في الكلام الذي يخرج من فمه حلوا كلحن قديم، غير أن صوت أمها وهي تبحث عنها أخرجها من الدرس التاريخي وأعادها إلى عالم النساء الذي ترفض تفاهته والذي لولا حزم أمها شريفة وأم العائلة ما عيشة ما كان ليساوي جناح بعوضة.