أولى العولمات

Publié le par Kostani

 

 

 

أولى العولمات

 

لم أعد أذكر غير تواجدي أنا وثلة من أترابي وآبائهم ننتظر شيئا ما، لا بد أن هذا الشيء مهم، إذ لو لم يكن مهما ما احتشدنا هنا أمام البيرو  .  لم يكن آنذاك يفصل بين المدرسة والسلطة، كل شيء يحدث في مواقع هذه الأخيرة، الوثائق الشخصية كما مجالس المحكمة كما التسجيل للقراءة.

 أنا وأحد أبناء العمومة نلهو بحجريات صغيرة نضعها بين الأصابع ونجعلها تدور على نفسها، تساعدنا على ذلك الأرض المبلطة، كانت تلك أول مرة أشاهد فيها أرضا مبلطة.

 كيف خرجنا من منازلنا نحو هذا المكان الذي يبعد عن حارتنا مسافة غير يسيرة، من الذي دعانا إلى ذلك، ولماذا، كلها أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها، إما لأني لم أكن أعلم عنها شيئا بالفعل، وإما لفها النسيان.

بعد ذلك علمت أنني قبلت بأن أسجل في المدرسة، لم أفرح ولم أحزن، غير أن تأجيل تسجيل ابن العم نظرا لصغره لم يرقني لآن الفارق السني بيننا لم يكن كبيرا.

في الغد، وبشعور طبيعي مررت بمنازل الأطفال المقبولين أدعوهم للذهاب جماعة نحو المدرسة، أما المبادرة فترجع إلى جغرافية السكن، إذ كان منزلنا هو الأكثر جنوبية، ومن ثمة لا أحد سيأتي ويسبقني، فأنا السباق وأنا المنادي. بعد ذلك سيتوطد الأمر عندما علم لي أبي الفقيه وقت الذهاب بحفرة في جدار المسجد، أنتظر أسفلها حتى يصلها الظل فأعلم أنه الميقات.

كان المقبولون خليطا من الإثنيات ( بيض وسود..) ومن الطبقات (من الفقراء الذين لم يستطيعوا شراء اللوازم والمحفظة حتى بنات شيخ القرية..) من الجنسين ذكورا وإناثا، من أبناء " الطلبة" ( بتسكين اللام) وأبناء "العوام.".. ومن النجباء والبلهاء... لكن اصطفاء "طبيعيا" ظالما سيشتغل منذ الشهور الأولى ليقصي الإناث وبعدهن أبناء الفلاحين، يغادرن ويغادر ون تباعا، ومن استطاع أن يصمد حتى السنة الثانية والثالثة كان من المستمرين حتى الدراسات الجامعية والوظيفة الحكومية.

كان الفصل الدراسي قاعة داخل الثكنة الاستعمارية، وهي ثكنة لا زالت تشتغل آنذاك كمؤسسة شبه عسكرية يسكنها بعض "المخازنية" الذين يملكون جيادا رائعة تبهرنا كلما مروا أمامنا سائقين إياها نحو الساقية أو للركض اليومي. داخل الثكنة توجد مساكن الجند والمعلم الوحيد وبئر ضخمة و مخزن كبير للمئونة ومربض للخيل، وكذلك سجن هيئ لنا مطعما نأكل فيه الخبز الأبيض والعدس والفاصوليا، وهي كلها أكلات مستوردة لقرية ألقت ألا تأكل إلا ما تنتجه أرضها منذ مئات  السنين.

غير أن الخبز الأبيض كان عولمتنا الأولى.

كان المعلم رجلا طويلا وممتلئا يلبس الجلباب التقليدي باستمرار، كان حافظ كتاب الله، يلبي دعوة "السلكات"، وقد يؤم الصلاة بالمؤمنين. لم يكن أعزبا كما كانت عليه عادة المعلمين، بل استقدم معه زوجته وبنته المدعوة سعاد، وكان الاسم الجديد الأول الذي تسمعه آذاننا الموغلة في بداوة الأسماء والنعوت.

كان سيدي عبد الله يميل إلى البدانة، عكس زوجته النحيفة والفارهة طولا، كما كان وجهه المنتفخ يضفي عليه سلطة طبيعية تقوت بلغته العربية التي لا نفقه منها حرفا، أما لغتنا فهو في غنى طبيعي عنها. ورغم ضميره المهني الحي وحبه لتلقيننا القراءة والكتابة والحساب، والدليل على ذلك استعماله الرائع للسبورة السوداء والطباشير الملونة وتسطيره المتكرر على دفاترنا حتى لا نخرج أو نعلو أو نهبط عن السطر، رغم كل ذلك  كان فظا عنيفا، فظاظة لا تدل إلا على خواف ما من أن يتطاول عليه  الأطفال، ليس فقط في الفصل، بل ونحن تلامذته نعلمه كيف يركب دراجته أو كيف يسبح في مياه الوادي.

 كنا رغم انتمائنا إلى قرية كنا نحسبها في آخر الدنيا نشعر باعتزاز ما تجاه هؤلاء الذين يأتون غالبا من الشمال، يحملون معهم سذاجة الجبليين، خاصة إذا كانوا معلمي العربية لاختلاط هذه الأخيرة في أذهاننا بالمسيد، هو معلم إذا، لكنه أيضا فقيه.

_أريد أن تحضر لي في الحصة المقبلة معجونا. أمرني سيدي عبد الله ذات انتهاء حصة. أمره مطاع، لكن وما المعجون؟

 أخبرت أمي بطلبه وبعد نقاش غير يسير مع أبي، قررا أن الأمر متعلق بالتمر المعجون. يمكن أن يكون الأمر كذلك لكنه لم يذكر لي تمرا.

_حتى ولو ذكره ستفهم شيئا؟ أردفت أختي ساخرة.

_ على كل حال لن أحمل له هذا التمر المعجون، لن أكون موضوع سخرية الأطفال، وهم المتغامزون قبل ذلك كلما حملت له الحليب.

حملت الأم التمر والحليب وأخذت بيدي ذات جمعة. لم أستطع أن أخفي تعجبي من صغر منزل المعلم، إذ هو في الأصل سكن جند غير متزوجين. أخبرت أمي بالأمر لما قامت الزوجة الفارهة الطول لتعد الشاي.

_معلم بكل طوله وعرضه وزوجته صاحبة التنورة وسعاده، ويقيمون في هذا القبر؟

لكزتني أمي وهي تومئ إلى المرأة تحمل الصينية وأشياء أخرى، أعطتني حلوى طحينية  وأجاصا عملاقا، أشياء أتذوقها لأول مرة أعادت المجد للأستاذ، ذلك المجد الذي كاد يفقده له حجم المنزل اللعين.        

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article