ناس الغيوان
ناس الغيوان
تنغرس الأذواق في النفس مثلما تنغرس جذور الأشجار في التربة جنب ساقية. كان القرآن أول نوتة في سجل ألحان تسمعها الأذن. صحيح أن مؤذن مسجد الحارة سبق تراتيل الطلبة، غير أن آذان عمي حمو كان وظيفيا قصيرا يفهم منه السامع جدية الرجل وصرامته وبغية إعلان وقت الصلاة، وذلك بإطلاق الكلمات متتابعة كطلقات رصاص. وبعض ترتيل القرآن كان كذلك، لما يتلى في الحزب ليفهم منه وظيفة الترديد من أجل عدم النسيان.
غير أن مبارزات الطلبة في مناسبات الأفراح كما الأقراح كانت تثمر أصواتا شجية تبكينا أحيانا، خاصة عندما يكون الشدو ثنائيا ويكون أحد المقرئين أسودا، إذ يملك السود بحة ورقة في الصوت تذكر بمعاناة العبيد وأن ملك الآخرة لله وليس لأحد.
صنفان من الأهازيج أيضا كانت تطربني عندما تقام الأعراس في ساحة الحارة تحت نوافذ منزلنا. أحدهما فخم وحزين يذكر بالغلبة والغزوات، إنه أحيدوس البدو الرتيب توقع إيقاعاته المتوسطة والطويلة الزمن بنادر كبيرة تنظم الإنتماء إلى القبيلة والإقدام. ألحان تتجاوب معها قليلا أجساد ذكورية ونسوية مصطفة جنبا إلى جنب في شبه رقص أنيق يعلن عن أرستقراطية الحركة و بعض الرفاه.
الآخر سريع الإيقاع تنظمه بنادر صغيرة ومتوسطة تكاد تكون نزقة، تتجاوب معه أجساد سمراء فتية تعلن فرحا شجيا للإنعتاق من العبودية ولمساواة المصطفى لجميع الناس.
ورغم انغراس بعض من هذه الألحان في ثنايا الذات، ورغم حفظي لبعض منها لحنا وشعرا. ومعاندة جمالها لا يمكن أن يأتي إلا من نفس فسد ذوقها:
ألالا فليسبق الله خطاك
ألالا فليجعل سعدك مستقيما مثل القصب
لحن أوعطا والريحان
شفاء الحنين
رغم ذلك فقد كنت أنتظر ذوقا آخر، ليس ليمحو الأول الذي شكل وبدون رجعة أرضية لوحة الإنجذاب. لكن ليستجيب لحاجة العصرنة، وأنا الذي انتقلت من قريتي العتيقة إلى قصر السوق، حيث الحلقة والمدياع والسينما.
فحل محمد عبد الوهاب أولا وتبعته أم كلثوم وفريد الأطرش، ربرتوارا ثريا يعلم الفصاحة والبيان والشجى.
وأصبح الشرق يملأ الكيان، ويمنع الذات ضد الإنصهار في غرب قوي أيضا بألحان جاك بريل وبوب مارلي وبوب دايلان والجاز والبلوز...ألحان نحبها نغنيها ونستهلكها، لكن لا نستضمرها خوفا من تصور بئيس كان للهوية الوحدانية.
كانت أم كلثوم تصدح كل يوم بأغنية، القلب يعشق كل جميل في مقصف التلاميذ، حتى حل ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوتا مبحوحا يصرخ الصينية، إنهم ناس الغيوان قال أحد الزملاء، ناس الغيوان؟ ومن يكون هولاء؟
جماعة من الدار البيضاء، جمعت أشعار المجاذيب القديمة وتحاول دغدغة عواطف المغاربة. قلت في نفسي هذه فقاعة لن يطول عمرها، ولم أدرك أن من الناس المدنين خاصة من انصهر في اللقاء الفاقد للروابط الأولى، ومن هؤلاء من لم يسجل في ذاكرته عذب تلاوة القرآن ولا أهازيج البدو ولا شجى المنعتقين. وأن كثيرا منهم لا يملك عربية يستطيع بها فهم اسمهان ومحمد عبد الوهبان يشدوان قيس وليلى. وتبين لي ذلك بالملموس لما أحصيت مريدي ناس الغيوان ووجدتهم من أولئك الذين انصهروا في الاختلاف، وأن الغيوان طاحونة كبيرة انصهرت فيها كل الألحان حتى الغربية ولو بشكل دفين.
خاب ظني من تسفيه ناس الغيوان، كما خاب أيضا من سوء تقدير دلالات المسيرة الخضراء آنذاك، كما لازال يخيب عندما أستعمل نخبوية ابن الزاوية المحقرة للعوام بتعبير الطلبة بتسكين اللام.
ورغم كل شيء، اعتنقت حب ناس الغيوان ولمشاهب، وجيلالة بشكل أقل.
بعد زمان راجعت كل الألحان، الشرقية لتنطع بعضها، وبحثها عن النفس الطويل على حساب الإنتقال من مقام إلى مقام ومن إيقاع إلى إيقاع، والغيوانية رغم عبقريتها لم تخل من تكلف يجعلك أحيانا تنتظر مرور النشاز.
راجعت كل شيء غير ترتيل الطلبة فوق سطح المسجد في ليلة مقمرة، وأهازيج أنضجها فرن الزمن الشعبي، فصارت معتقة مثل أسارير وجه فلاحة كانت جميلة ولازالت مليحة.