الليسي
كثير من الناس الآن ينسون الدور التحديثي الذي لعبته الليسيات في مغرب السبعينات. الرباط وفاس كانتا المدينتان الجامعيتان الوحيدتان. كل القرى لم تكن تتوفر حتى على الإعداديات.
كان التعليم موزعا بشكل جغرافي واضح المعالم، تتابع في قريتك الدراسة حتى الخامس ابتدائي إذا كنت محظوظا، بعدها ترحل إلى حيث الفيلاج مركز القرى والذي قد يتوفر على إعدادية، وهناك تضطر أن تكتري كراجا مع ثلة من أقرانك الأطفال تطبخون غذائكم وتعجنون خبزكم بأيديكم أو تسجلون في دور مهينة للأطفال.
ولا تبدأ تتمتع بشيء من الكرامة والآدمية حتى تتجاوز البروفي وتنجح حيث الداخلية والليسي في عاصمة الإقليم.
هناك تبدأ تتنسم نسائم التحديث، تفرض عليك حقيبة بلباس النوم وفرشاة الأسنان، تبدأ تأكل عدة أطباق في وجبة واحدة، وتتناول الديسير، والفرماج في الفطور، والموز والدجاج المقلي يوم الجمعة. تشتري مدياعا صغيرا تسمع فيه أخبار الإنقلابات في إفريقيا والعالم العربي. وعندما ينصحكم أستاذ الفرنسية بمشاهدة فيلم ملتزم مثل زيد أو كلنا في حرية مؤقتة أو الفراشة، تعقب المشاهدة نقاشات لا تنتهي، ليس في المضمون فحسب. بل آنذاك تتسرب التسريحات و الموضات حيث كان الدجين سيد اللباس وإطلاق الشعرسيد التسريحات.
في الليسي تلتقي مع فتيات بدأن يلبسن مثل الأطفال الذكور، ويتركن شعرهن تداعبه الرياح، وتبحث كل واحدة منهن عن رفيق. وتنسج الحكايات البريئة منها والخبيثة، وتخلق استراتيجيات للتميز بالغناء أو الشعر تارة، أو بالمسرح وحسن الحديث تارات. تصبح الحياة شهية بتجاوز العتاقة رغم حنين دفين في ثنايا روح التلاميذ للقرى والأهل والطقوس.
في الليسي تأتينا أخبار الجامعة والإتحاد الوطني لطلبة المغرب والأحزاب السياسية والتجنيد الاجباري والاعتقال.
كما تؤسس وداديات التلاميذ وتعقد اجتماعات تعبوية للإضراب والاستعداد للطواريء، وملء ملفات مطلبية بألف مطلب ومطلب قد يحرج حارس الداخلية أو المدير حول كمية ونوعية الغذاء.
تتفتق المواهب، ينشئ التلاميذ مجموعات غنائية تقلد ناس الغيوان وجيلالة أو فرقا مسرحية تقلد الصديقي.
يتنافس الكل في كم عدد من رواية قرأ، أجنبية وعربية، مستعارة من خزانة الليسي، أو مبتاعة حتى، من لدن البائع المتجول صاحب خيمة الكتب.
ونشاهد فيلما أو إثنين في الشهر.
ثم تصلنا أخبار المعارضين الإتحاديين خاصة، المعارضة السلمية عبر تحدي المخزن في المشاركة في الإنتخاب وفضح المزورين في جريدتي المحرر وليبيراسيون، أو المعارضة المسلحة حتى، حيث لعلع صوت تبادل الطلقات في الجبال المجاورة، وإقامة براجات درك في الطرق إلى قرانا وتهديدنا بإلصاق تهم انقلابية ونحن في عمر الزهور.
في الفصل تنسج العلاقات الطيبة مع الأتراب رغم المنافسة الشديدة، أبوية الأستاذ التي ألفناها في الابتدائي والإعدادي بدأت تنقص حدتها أمام سلوك أساتذة شباب، بالكاد بدأت الشوانب تنبت تحت أنوفهم، وبالكاد بدأت بعض الشعيرات تبزغ في ذقونهم. أساتذة مجازون يملكون السيارات، ويسكن بعضهم في الفنادق، يأتون بالصحف وربما بالمناشر، ويعتقل بعضهم مع التلاميذ ويعدون لهم البكالوريا داخل السجن وينجح كل المعتقلين.
في المراقد تنسج علاقات أكثر حميمية وأشد موثقا، لا ينغصها غير بعض غباء العنصرية بين العرب والأمازيغ، عنصرية أسهمت النضالية التقدمية في اجتثاها، حيث خير التلاميذ أنفعهم للتلاميذ وأقدرهم على حمل لائحة المطالب في وجه الحارس العام.
الليسي بوابة الدنيا آنذاك.
بعيد البكالوريا يمكن أن تصبح موظفا أو معيدا في إعدادية، أو تنجح في المراكز الجهوية لتصبح أستاذا بعد سنتين.
أو تنسى كل شيء وتسافر إلى فاس، وما أدراك ما فاس، مدينة الجن والملائكة كما كانت باريز لطه حسين.
فاس التي يأتينا بأخبارها من سبقونا من الطلبة، بياض الطالبات وحريتهن، تواجد الكتب ومصروف الجيب بالمنحة التي تساهم حتى في رد بعض الجميل للأسرة.
المقاهي والجرائد بالمجان، السينمات ونواديها والمناقشات، حلقات الفصائل والمظاهرات والمداهمات، والشعارات وتشي غيفارا والأناشيد والشيخ إمام وفؤاد نجم، وربما العلاقات بالفصائل الفلسطينية.
كل الأخبار كانت تحفز نحو الاستعداد الجيد للبكالوريا.