ماذا يقوله الناس عن المثقف؟
ماذا يقوله الناس عن المثقف؟
مدخل
المثقف، ذلك الشخص الذي يملك ما لا يملكه غيره من معرفة، نظرية أو عملية أحيانا، أوبلاغة على الأقل، معرفة وبلاغة تؤهلانه من أن يثير اهتماما مزدوجا، من السافلة التي يتراوح تعاملها معه بين الانبهار والازدراء والعالية التي تعرف شأنه السوسيولوجي فتوظفه تارة وتعنفه أخرى.
نحن إذا بشأن موضوع ملتبس ابستملوجيا ومستعص عن الفهم منهجيا، انطلاقا من حربائية الدال وميوعة المدلول. وكذلك لانزياح المفهوم من سياق ينأى بالدال عن الثقافة culture نحو السياسة بدءا بقضية دريفوس على الأقل.
وإذا كان سان سيمون أول من استعمل لفظة المثقف الوضعي لتدل عنده تقريبا على ما يمكن أن تدل عليه لفظة الخبير أو التقنوقراطي اليوم، ذلك الذي يملك المعرفة والمهارة التي تمكنه من التنظيم الجيد للنسق الصناعي ومن ثمة المجتمع، على أساس أنه هو المؤهل لنقد المستبقات انطلاقا من البحث العلمي ونشره. إذا كان الأمر كذلك وبتلك الإيجابية مع سان سيمون، فإن لفظ المثقف الذي انتشر إثر قضية دريفوس لم ينشر إلا في أفق السب ونعت الدريفوسيين بأولئك الذين يحشرون أنفسهم فيما لا يعنيهم[1].
وإذا كان من الممكن أيضا أن نتحدث عن حقل الثقافة والمثقفين كمجال يملك فيه المشاركون مواقع انطلاقا من رأس مال المعرفة بلغة بورديو، حقل يملك قواعد للعب تميزه عن الحقول الأخرى[2]، إذا كان ذلك في أوروبا فإن الأمر أكثر تعقيدا عندنا حيث تتداخل الحقول، إن أمكن أن نستعمل المفهوم البورديوي، التداخل الذي يجعل أمر البحث في المثقف والثقافة أمرا يحيل أحيانا إلى كل شيء وإلى لا شيء.
ثم ما علاقة العالم، كمثقف، والعالم في العلوم الإنسانية خاصة بكل هذا؟ لحسن الحظ أن المسألة تناولها بعمق ماكس فيبر في كتابه العالم والسياسي حيث قطع بعدم التقاطع بين الاثنين ليس من باب منع الممارسة السياسية عن العالم، وهو أمر لاخلاف فيه، إذ العالم إنسان يحق له أن يكون له رأي وأن يمارسه، إلا أن ما يحظره فيبر على العالم هو بناء سياسات عملية أو أخلاقية انطلاقا من نتائج علمية[3].
قلما يستعمل الناس في حياتهم العادية واليومية عندنا لفظ المثقف، فهم يفضلون عليه تسميات عدة مثل الفقيه والعالم والأستاذ وقاري والمعلم (بتسكين اللام) أو دماغ ومخ وعلى بال وواعي وفايق...وغير ذلك من التسميات التي تدل من بين ما تدل على:
_ الذكاء والنباهة والحذق
_الحنكة والخبرة والمهارة
_ التعلم والتكوين والنجاح المدرسي
_الإحاطة بأمور الدين دنيا وآخرة
وعندما نفحص هذه الدلالات اليومية نجدها تكاد تقصي المثقف بالمفهوم" العالم" والذي يتمثل لدى المثقفين كاتبا وشاعرا وروائيا وأديبا وناشرا في الملحقات الثقافية ومشاركا في الندوات واللقاءات ومستشارا.
بين التمثلين مسافة عوالم ميدانية ونظرية، عوالم تفرض نفسها على الباحث حتى ليكاد يجزم بكون لفظ المثقف هنا دال بدون مدلول، إذ الثلة التي تسمي نفسها كذلك تكاد تكون غريبة عما يوازيها واقعا وفكرا.
المثقف المرتبط ضرورة بالحرية والإبداع والنقد والحد الأدنى من المسافة مع السلطة كما انبثق في الغرب إثر اندحار السكولائية والكنيسة، سلعة نادرة عندنا. المثقف كنخبة قائدة في التمثل الماركسي أيضا فئة معدودة المنتمين، قلمت أظافرها سنوات الرصاص ومنطق الانتكاسات.
ورغم ذلك يمكن أن نجد دورا ما لتلك الفئة المنتجة للأفكار والخارجة عن دائرتي الإنتاج والسلطة في تاريخ المجتمع المغربي.
ألم يكن المهدي بن تومرت طالبا بالكاد أنهى دراسته لينخرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليؤسس أقوى إمبراطورية مغربية تأسست على الأفكار قبل العصبية. ألم يكن الرشيد ذلك الطالب الذي انتقل من القرويين نحو هد الإمارة اليهودية لبني مشعل ويؤسس الدولة العلوية.
ألم تكن محنة الفقيه جسوس لما رفض تسليم حراطين فاس للسلطان إسماعيل لتجنيدهم واقعة قوية تذكر بمحنة ابن حنبل ؟ وألم يرسل اليوسي إلى إسماعيل تلك الرسالة الناصحة القوية والتي إن دلت على شيء إنما تدل على مكانة العلماء في المجتمع المغربي التقليدي رعية وسلطانا،. نفس الموقف الذي تكرر مع الحسن الأول من طرف العربي الدرقاوي ومنشوره الناصح المشهور...ومع رسالة مؤسس العدل والإحسان إلى الحسن الثاني... وأولئك العلماء الذين بايعوا عبد الحفيظ بيعة مشروطة ونزعوها عن عبد العزيز...
وهل يمكن لدارس التاريخ المغربي المعاصر أن يغفل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وعلاقاته الوطيدة حدود التداخل مع اليسار المناهض لبطش سنوات الرصاص، أو ينكر أسماء يكاد الدال الحداثي ينطبق عليها بالتمام أمثال اللعبي والسرفاتي، أو يلغي مسرح الهواة والأندية السينمائية ومجلات رائدة مثل أنفاس وأنفي وبعدهما لماليف و الثقافة الجديدة وكلمة... وناس الغيوان...
هناك إذن بعض ما يمكن الاطمئنان إليه استقلالا ومعارضة وصدحا بالحق. ما الذي جعل هذا البعض لا يدخل في القاموس اليومي؟ وما الذي جعله لا يتجذر كفاية نحو العضوية الكافية؟ لماذا لم يفرز نخبة يمكن أن تقود مسار التغيير؟
تلك الأسئلة وغيرها هي التي قادت تفكيرنا في هذه الورقة.
لكن قبل الإجابة عنها دعونا نسمع أقوال الناس العاديين، لأنهم هم المبتدأ والخبر، علنا نقبض بناصية صورة المثقف كما يبنيها رجل الشارع. دون نسيان أن الموضوعات الثقافية المتنازع حولها في المغرب تكاد تنحصر في المرأة ومدونة الأسرة، الولاية وتعدد الزوجات وملكية الزوجين وغيرها، ثم الحقوق الإنسانية والفردية منها خاصة، الحجاب والتبرج والإجهاض وحرية الجسد والعقيدة.
تأتي أهمية الأقوال في كونها قادرة على إنتاج التمثلات، كما أن الأقوال بتعبير بورديو تحاول دوما إنتاج الآثار الاجتماعيةles effets sociaux لأنها مرتبطة بأفعال إدراكية ومعرفية من جهة واجتماعية من جهة ثانية. الأقوال إذا رؤى وأراء وأفعال أحيانا وذلك وفق الدفاع عن المصالح والمواقف والقيم[4].
من الناحية المنهجية هي أقوال جمعت على فترات متباعدة وفي سياقات متباينة وفي مناطق مختلفة من المغرب، واحات وجبالا وسهولا ومن فئات عمرية ومهنية مختلفة ومن الجنسين. ولنا أن نشير أن نصف المجتمع مقصي من السؤال، إذ استيعاب لفظ المثقف يستدعي حدا أدنى من التعلم وهو مؤشر سوسيولوجي أولي ذي أهمية بالغة.
اخترت تسميتها بالأقوال لربطها بالشفهية وما يحمل ذلك من تلقائية وسياق ولارجعة. هي إذا مساهمة استكشافية أولية.
القول رقم 1
" انت بعد باك فقيه، كان من المفروض تكون معانا، واجي بعد، أنت كتجلس مع من والا، ولا حيث كتعتبر راسك مثقف" مناضل إسلامي,
القول رقم 2
" المثقف هو اللي كيفهم فكل شيء، كيكلس فالقهوى، كيحلل الخبار، قيقرا الجرنان، لغته مزيج من الدارجة والفصحى وربما الشلحة والفرنسية" متعلم كهل.
القول رقم 3
" هذي كلمة جديدة علينا، زمان كان غير الفقيه والطالب والشاعر، شوية جاء المعلم، عاد بدينا كنسمعو المثقف في السبعينات خاصة، وهم خريجوا الجامعات، الكليات الأدبية خاصة، المهندس راه مهندس، والطبيب راه طبيب، شي أساتذة د العربية والفلسفة وخريجي س ب ر هادوك هما اللي كانوا كيتسموا مثقفين، بعضهم كيطلق الشعر بحال الهيبي وناس الغيوان، وبعضهم معارضين سياسيين، والبعض الاخر كان كيعمر دور الشباب في المسرح والأندية السينمائية" مدرس متقاعد
القول رقم 4
" المثقف في المغرب يكاد ينطبق على الأديب، فهو إما شاعر أو قصاص أو روائي أو مسرحي أو ناقد، يكتب في الملاحق الثقافية ويشارك في الندوات، أماكنه المفضلة القاعات والمراكز الثقافية وربما دور الشباب" أستاذ
القول رقم 5
" بعد اللعبي والسرفاتي وأصحابهم، ما بقى مثقف" ظهر مهرازي سابق
القول رقم 6
" المثقف إنسان غاضب على الواقع، مخاصم مع العالم، وكيقلب على التوازن في الخيال" أديب
القول رقم 7
" بعض المثقفين عندنا بياعا وشرايا، شغلهم الشاغل البحث عن الهمزة في الندوات والسفريات، بعضهم كاع سعاي على الدعم وتغطية المصاريف وغيرها" غاضب على اتحاد الكتاب
القول 8
" المثقفين، اللي كيعتبروا أنفسهم حداثيين، ما تعرف فين تشدهم، رجل هنا ورجل لهيه، يقوليك الحرية للمرأة، وحيث تجبدلو مراتو ولا مو ولاختو حاجة أخرى" مناضلة إسلامية
القول 9
إلا كانتيقو فالحصيلات الصحفية اللي كتكتب فشهر دجنبر من كل سنة في الصحف الوطنية، المثقف كاين فوزارة الثقافة وإلا معاها، في الجوائز والدعم المسرحي والسينمائي والمهرجانات، في اتحاد الكتاب، في المراكز الثقافية، الفرنسية خاصة، إوا فين راه في المجتمع، ربما في بعض المقاهي الأدبية، المثقف قضى عليه المخزن البارح ودابا الغوغائي والشعبوي" شاعر
القول 10
" ما عندناش مثقفات، خاص الوقت باش تولي المرأة راشدة، تبت بعد راسها، تتعلم، تعرف تصرف حتى في غياب الرجل، عاد إكون عندها رأي، تبنيه، تعبر عليه، تدافع عليه، من هنا لتما ماوال الوقت" طالبة
بعض ما قالته، أو أو أرادت قوله أو لم تقله الأقوال:
نستشف مما سبق تمثل الأقوال للمثقف:
_ تعارض الفقيه، العارف بالأمور النافعة دنيا وآخرة، بالمثقف.
_ المثقف هو من "والا" ومن ثمة فهو من العامة بتصنيف "الطلبا والفقها والمرابطين والشرفا"
_المثقف خلاسي هجين لاجنس له ويصعب تصنيفه، هو في أحسان الحالات محلل أخبار وطبيب عام لا اختصاص له.
_في تمثل الفئات العالمة يكاد يتماهى المثقف مع الأديب أو الفنان.
_ بعض المثقفين المغاربة والمتشبهين بهم استحوذوا، وبنجومية أحيانا على هذا الإسم.
_ شخصية المثقف غير متوازنة في التحليل النفسي العفوي.
_مهاجمة أخلاقية لتبزنيس المثقف.
_ انتهازية المثقف وحربائيته.
_ ربط المثقف ببناء الرأي والتعبير عنه والدفاع عنه.
_ تغييب المرأة عن حقل المثقفين.
هذه الصورة السلبية كيف أنتجت؟ وما عوامل انتشارها واستمرارها؟ ربما هذا موضوع آخر يحتاج إلى أقوال أخرى حتى تكون للعمل مصداقية. غير أن بعض ملامح ذلك يمكن استخراجها من بعض المؤشرات المرتبطة بالأقوال وحيثياتها وهي:
التقليد الذي يطبع المجتمع، والتقليدوية التي تطبع قيمه وتوجهاته[5]، إذ المجتمع المغربي لم يشهد أي ثورة من أي نوع كانت، خصوصا الثقافية منها. الثورة التي تعلم الملائمة وقدرة تسمية الأشياء بمسمياتها وحرية الدفاع عن الرأي واتخاذ الموقف ونشر قيم المناقشات العمومية دون عقد الخوف من الخطأ بذريعة عدم الأهلية والنضج.
_الأميات المنتشرة وأنوميا "نظام" التعليم، ومعضلة الفهم الخاطيء للهوية
_ خواف الدولة وقمع المجتمع ومن يقوده من المثقفين سابقا
_ خواف المحتمع كنتيجة لخواف الدولة
_الإحباط وتعب المشاريع والإنتكاس
_ سرعة التحولات حولنا وأحيانا داخلنا
تلك بعض أفكار التفسير التي قد تثير البحث المطابق في ثنايا، لاأقول أزمة المثقف ولا حتى أزمة المجتمع، هو شيء أكبر من ذلك، شيء استشرى وتأبد، ويستدعي تجاوز منطق الدعوة إلى دعوة المنطق.
خلاصات:
استنتاجا من الأقوال يمكن ثبت ما يالي:
_الأولى أن نتحدث عن المثقف بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد.
_ ضرورة إضافة أسئلة أخرى توسع المنهجية من مثل، متى يقول الناس ما يقولون، وكيف يقولونه، وأين، وألا يقولون عكسه أو غيره في سياقات أخرى...
إذ يوضح سؤال متى أن الحقب التاريخية تلعب دورها في صياغة القول، فإذا كان العهد السبعيني قد بنى تصورات إيجابية نحو المثقف، فالعهد الثمانيني وما فوق لم ينتج سوى السلب تجاه هذه الفئة التي أصبحت تعيش على هامش المجتمع، الأمر الذي ترك الفرصة ل"مثقف" آخر أكثر عضوية، هو المثقف الإسلامي، رغم صعوبة جمع صفة الإسلامي مع المثقف" الخوانجي ماشي مثقف"، المثقف مبدع والخوانجي أصولي طوطولوجي، كيعتمد على ليس هناك أفضل مما كان" و هو موقف وإن كان فيه كثير من الصواب لم ينجو من التطرف ومنطق الإقضاء، ذلك المنطق الذي كان منطلق تطرف فئة شعبية عريضة مهمشة ومقصية في سوق القيم الثقافية السبعينية والذي جاء تطرفه المزدوج، رد فعل ضد الدولة وضد المثقف الحداثي، العلماني في لغتهم. هو إذا موقف متطرف تجاه مد إسلامي لا يخلو من نماذج إجتهادية، تجربة تركيا، تونس الآن، طارق رمضان...
مع الربيع العربي هل يمكن أن نتحدث عن مثقف جديد هو المثقف الرقمي، وما يحايث ذلك من سرعة المعلومة والخبر والصورة وتحييد الرقيب، وهي كلها سمات وخصائص فعل ثقافي لم تتمعير أساليبه بعد، لكنه دخل التاريخ من بابه الواسع، عبر ساحة التحرير وشارع بورقيبة وتوكل كرمان.
أما بخصوص الكيف والأين، فكما أشرت منذ البداية، هو سؤال يبدو غير ذي موضوع لغير المثقفين، كفئة متعلمة قروية كانت أم حضرية.
بكل ما سبق لا ينبغي للفئات التي تسمي نفسها مثقفة، والتي قد تسوى بالحداثية أو التنويرية أو العلمانية أن تستغرب من قيادة الفقهاء للمجتمع، وربما للأمة، نموذج القرضاوي، نجاح الإسلامين في مصر والمغرب.
هي نفس الفكرة التي أبدعها فيلسوف إيطالي ماركسي مسلكي، اقتنصها التقليديون وبكثير من العملية والذكاء المنهجي، وحتى بالفطرة أحيانا، في عالم لازال أميا بالمعنى السلبي للكلمة، أمية لا تساعد على حرية بناء الرأي وبالأحرى اتخاذ القرار.
[1] _ Bermond, Daniel._ Qui a inventé l’intellectuel ? On le trouve chez Saint-Simon, mais c'est Zola qui fera sa renommée in, L’express, 1/2/2003.
[2] _ Bourdieu, Pierre._ Questions de sociologie, quelques propriétés des champs ,pp,113,121 .
[3] _ Weber, Max._ Le savant et le politique Paris : Union Générale d’Éditions, 1963.
[4] -Bourdieu, Pierre,_ Ce que parler veut dire, l’économie des échanges linguistiques .Paris, Fayard, 1982.
[5] _أنظر أطروحتنا، الواحات المغربية والاستعمار، آليات التحول ,اشكال المقاومة، غير منشورة