المرأة وصياغة الذاكرة

Publié le par Kostani

 

المرأة وصياغة الذاكرة في الواحات

 

أو طقوس إسقاط النساء للقمر

 

 

 

تبدو الواحات اليوم جد منغلقة على نفسها سواء على مستوى التنظيم والمعاملات أم على مستوى التوجه والقيم، وهو أمر جد مدهش عندما نرجع شيئا ما إلى الوراء فاحصين وضعية المرأة وكيف صاغها المجتمع الواحي، حيث كانت المرأة حاضرة في جميع المجالات ومتواجدة ليس كأم راعية للأسرة فحسب، بل وكجسد له تمظهراته الجمالية[1]وكشخصية مستقلة تختار رفيق دربها بكل حرية عبر مؤسسة "تاقرفيت[2]"، التي يمكن اعتبارها مجالا نسويا بامتياز رغم مشاركة الرجل، حيث يمكن اعتبار مجال تاقرفيت سياقا تؤسس فيه الحدود بين الحياة المعتادة اليومية والكدح من جهة والتعالي والجمال من جهة ثانية.

 

 

"أونمكزولن إعبان إوت أغجديم"

 

 

أستهل هذه المساهمة بهذا المثل الأمازيغي الواحي البليغ والذي يفيد حرفيا ضرورة جلوس من لا يملك اللباس الكافي لستر جسده، وهو مثل إن عبر عن شيء إنما يعبر عن العقلية الموضوعية والتي تنطلق من فلسفة ضرورة امتلاك الإنسان الوسائل الكافية لتنفيذ سياسته، وهي حكمة استر اتيجية تعبر عن الواقعية الطبيعية التي تستمد منها المرأة، وكذلك الرجل، فلسفتها، فهي جالسة متى فقدت الثياب الكافي، لكنها واقفة ومستقيمة متى أحست بإمكانية ذلك.

 

تتعدد اليوم المقاربات التي تتناول الأنوثة والرجولة سواء في المجتمعات الغربية أم في المجتمعات الباردة، ابتداء بالتحليل النفسي وانتهاء بالنوع وتقسيم العمل الجنسي والمقاربة الجنسانية مرورا بالحركة النسوانية والباترناليزم البيولوجي أو الاجتماعي[3]، الأمر الذي يثبت تعقد وإشكالية المفاهيم المرتبطة بالأنوثة ونسبيتها وطبيعتها المتحولة، ومن ثمة ضرورة اعتبارها بناءات اجتماعية ثقافية تخدم أغراضا بعينها.

 

 يعتبر هذا التقديم المنهجي أوليتنا الأساسية بالنسبة لهذه المحاولة.

 

تبدو الواحات اليوم جد منغلقة على نفسها سواء على مستوى التنظيم والمعاملات أم على مستوى التوجه والقيم، وهو أمر جد مدهش عندما نرجع شيئا ما إلى الوراء فاحصين وضعية المرأة وكيف صاغها المجتمع الواحي، حيث كانت المرأة حاضرة في جميع المجالات ومتواجدة ليس كأم راعية للأسرة فحسب، بل وكجسد له تمظهراته الجمالية[4]وكشخصية مستقلة تختار رفيق دربها بكل حرية عبر مؤسسة "تاقرفيت[5]"، التي يمكن اعتبارها مجالا نسويا بامتياز رغم مشاركة الرجل، حيث يمكن اعتبار مجال تاقرفيت سياقا تؤسس فيه الحدود بين الحياة المعتادة اليومية والكدح من جهة والتعالي والجمال من جهة ثانية، ومن ثمة الخندقة الأنثربولوجية للمرأة داخل سياق التعاليle contexte sublime المؤسس للأدبية والفتنة، ذلك السياق الذي لا يضعها في أي حرم شرقي   ينزع من المرأة إنسيتها ليجعل منها موضوعا جنسيا أو أثاثا.. وأكثر من كل ذلك تملك المرأة تعبيرات أدبية راقية تعبر بها عن حاجاتها النفسية والجسدية أحيانا، تعبيرات يمكن أن تبدو جريئة لغير ملم بالفضاء الثقافي الواحي:

 

"أتربات أيللي مايدم إروول     أعريم أمزيان أما أيداغ را أوول".. ...

 

 إن المرأة غالبا ما تحمل كل ما هو أدبي في العشيرة والقبيلة عبر حكايات وراء الموقد والأمثال والأشعار، بل وأحيانا عبر ثقافة عالمة مرتبطة بالقرآن والأذكار والتصوف.

 

وليس الأمر أدبية فحسب بل هو عرف وتعاقد ورعاية للحقوق الأولية على الأقل، إن المرأة هنا تملك قرار طلب تطليقها الذي لا يرد[6]...

 

كما أن الواحات، كجميع المجتمعات، لم تكن يوما ما هوية مطلقة ومنغلقة كما قد تدعي شوفينية ما، بل كانت دوما ورقا شفافا يمتص آثار الرياح الثقافية الملقحة، الأمازيغية المحلية أو الإفريقية أوالعربية الإسلامية أو اليهودية أو المسيحية..وقد لعبت النساء أدوارا عديدة ومتنوعة في طحن الكل الثقافي ذلك وفق معايير عدة إثنية ومجالية وغيرها[7].

 

صحيح أن التنظيم القبلي البترياركالي عنيف وجد مجحف لحقوق المرأة إن تكلمنا لغة العصر، وذلك عبر الأعراف التي تتحايل حتى على نصف الذكر في التركة كحق شرعي، و بأداء إرث المرأة نقدا وعدم تمكينها من كل ما هو حديد مثل الآلات الفلاحية والسلاح، إلى غير ذلك من التحايلات التي تبقي المرأة غير مالكة في غالب الأحيان، ورغم كل ذلك لا تعدم   المرأة مكرها في استثمارها الملك الممكن من دواجن وحلي وأولاد بالخصوص، وهو "الانتقام" الكبير الذي تتقنه المرأة بصياغة ذاكرة الأطفال، رغم البزل الذي يقوم به الرجال بالنسبة للأولاد، ليس نحو التحرر والانفتاح والاستقلال والنسوانية، الأمر الذي ليس ممكنا إلا بمعايير حداثية جديدة مثل التمدرس والأجرة.. وفي غيابهما يبقى الوضع التابع للمرأة أكثر أمنا وضمانا لاستمرارها البيولوجي حتى، وإنما نحو القبيلة دوما، لكن مع حفظ هامش جميل رغم ضيقه لمناورة النساء ومكرهن الجميل.

 

عن هذا المكر الأنثربولوجي تريد أن تتحدث هذه الورقة من خلال فحص الكيفية التي تشتغل بها النساء في إطار تأثيث وصياغة شخصية الأطفال الذين سيصبحون رجالا، صحيح أن النسوة مثل الخماسين يتضامن من أجل تأبيد سيطرة الرجال، كما يفعل الخماسون ب"التاويزا" ليس من أجل الإنعتاق   وإنما من أجل جودة العمل لدى المالكين.. وهي اللعبة نفسها التي وصفها هيجل بمفهوم جدل العبد والسيد، وهي لعبة لا يمكن فهمها إلا من الداخل ووفق نمط العيش التقليدي الذي يحاول فيه بعض المالكين عتق العبيد في السنوات العجاف والذي يرفض فيه العبيد هذا العتق، بل وأكثر من هذا يمكن للعبد أن يملك مفاتيح الخزائن دون الأبناء، وهو الفضاء الذي يحدد الأدوار بدقة متناهية إلى حدود عدم احتمال تطاول أي طرف على وظائف الآخر، ورغم ذلك ليس الأمر بتلك البساطة التي تعتمد مقاربة الثنائيات، عبد/سيد، رجل/امرأة..إنه مجتمع بأكمله يشتغل وفق توافقات وترميقات تتعدل وتتغير وتنقح وتلقح باستمرار، مع مراعاة خصوصيات امبريقية لكل فاعل اجتماعي على حدة..

 

إن أول ما يتبدى للملاحظ بالنسبة لاشتغال المرأة على موضوع مجتمعها، هو اشتغالها بمنهجية رد الفعل غالبا، وهو ليس رد فعل سلبي، بل رد فعل ذكي يستطيع هضم واستعاب الفعل وتوجيهه، ليس نحو الأنانية والشوفينية وإنما نحو مصلحة الجماعة بالدرجة الأولى.

 

تعتبر اللغة الهيكل الاجتماعي الأول الذي تؤسس به وفيه الجماعة شخصيتها، ورغم كون المساهمة لا تنتسب ابستملوجيا إلى المجال السوسيولسني الذي لا ندعي كفاءتنا فيه، رغم ذلك فإن إشارة واحدة تكفي لتوضح ذلك الحوار الخفي والجميل بين الأنوثة والرجولة في المجال اللغوي الأمازيغي، يسمى الرجل في الأمازيغية أرياز وحمولة القوة والمتانة جد واضحة، أما المرأة تمطوط فقريبة من إمطاون أي الدموع، غير أن اللغة نفسها هي التي سمت الأخ والأخت إكما وأوتما واللذان يعنيان تباعا وحرفيا ابن أمي وبنت أمي، الأمر الذي يفصح عن الأموسية العميقة عندما نبدأ في الحفر في القاع الثقافي الأمازيغي. 

 

تشتغل المرأة في صياغة هوية جماعتها عل مستويات عدة منها تحديد المجال بمعنييه المادي والرمزي، وأنا طفل أثار انتباهي تواجد ثلاث وليات يحطن بالقرية من الجهات كلها وكيف أن الأولياء الذكور محاطون بالوليات تلك، ومنذ تلك اللحظة أحسست أن الأمر ليس صدفة، كما أنه ليس صدفة أن تكون العتبة، عتبة الدار أنثى، وكذلك أسماء الغرف الداخلية الحميمية،" الحنية" "تنماست" أما بيت الضيوف المفتوحة على الآخر فهي ذكر"أحانو"، والدار كلها أنثى"تدارت" أما ما له علاقة بالرجال، أي العالم الخارجي، فهو ذكر، "إكران" "أورتان" .. وداخل الداخل نجد "الخزين" الذي وإن كان ذكرا فهو ملك أكبر امرأة في الدار تحمل مفاتحه الثقيلة في حزامها، وبقدر تدبيرها يكون نجاح أو فشل المنزل..ولا نريد هنا أن نقيم الثنائية المعهودة، الذكر/مجال عمومي والأنثى /مجال خصوصي، لأنها وببساطة مفاهيم عالمة غائبة عن الواحة، إنما نريد توكيد علاقة المرأة بكل ما هو داخلي، لكنه داخلي مؤسس للخارجية وباني لها كما سنرى لاحقا..

 

 أما على المستوى الرمزي فالمرأة العروس والنفساء مقدسة" تكرامت" ومسها لأي شيء يصبح مباركا وبذلك تضع حدودا مرة أخرى، ليس على المستوى المادي بين الذات والآخر وإنما على المستوى الرمزي بين المقدس والمدنس، والمرأة هي المعمدة للأماكن وللأطفال على حد سواء...من الطقوس المعروفة في واحة غريس رش العروس للعتبة الفوقية لمنزل العريس بالسمن رمزا للخير والبركة وينصح الحاضرون الأطفال خصوصا بعدم الاقتراب من العتبة في تلك اللحظة لأن القطرات الراجعة من السمن تصبح بقعا سوداء في وجوه الأطفال، هي معركة بين الخير والشر عند العتبة..

 

أما الطريقة التي تشتغل بها المرأة فهي بعيدة عن أسلوب الرجل المباشر والعنيف والذي غالبا ما يعتمد الإبراز والتهويل، إن المرأة ماسحةniveleuseلا تترك لا صغيرة ولا كبيرة دون التدخل في شأنها ابتداء بتحديد المسافات المسموح اجتيازها وباختيار الأقران وتحديد الأصدقاء والخصوم، انتهاء باختيار الزوجة ورفيقة العمر مرورا بالتوجيهات اليومية التي تطال الدراسة ولو بشعل فتيل الصراع الإثني...

 

ليس المرأة وحدها من يصوغ الحدود، بل المجتمع برمته، وتعتبر مسألة صياغة الحدود الإثنية ظاهرة تستحق لوحدها وقفات تحليلية، من هو الشريف في الواحات؟ من هو الأكرام؟ من هو الأمازيغ؟ من هو الأقبلي؟ من هو المقيم؟ من هو البدوي؟ صحيح أن معايير عنصرية أنثربولوجية فيزيقية خصوصا اللون تلعب دورها، البيض والسود، لكن في البيض بيض وفي البيض غير بيض، إذ يمكن أن ينظر إلى الوضع الاجتماعي كمحدد فنجد بيضا في وضع السود والعكس، كما أن الأشراف ليسوا بصيغة المفرد بل بصيغة الجمع، علويون وأدارسة، والعلويون أفخاذ والأدارسة كذلك، بل وهناك سعديون وعثمانيون(عثمان بن عفان) وعمريون( عمر بن الخطاب)..بالنسبة للأكرام وإن كان لا يعتد فيه لا باللون ولا بالسلالة حيث الصلاح هو المعيار الأساسي رغم ارتباط جل الإكرامن بالشرف فعلا أو اصطناعا كما هو الأمر بالنسبة للنسب الشريف بل وبالنسبة أيضا للحراطين والعبيد ولكل انتماء...فهناك مراتب للصلحاء بل وتخصصات ووظائف ، بعض الصلحاء للإستشفاء وبعضهم للقسم..لسنا هنا بصدد السلالة وإنما الذي يهمنا هو ذكر تعقد الظاهرة الإثنية في الواحات، الأمر الذي يرجح أنثربولوجيا مفهوم الانتماء والذي تلعب فيه المرأة عبر الزواج محددا حدوديا رئيسيا، إذ يبقى الزواج الداخلي سيد الموقف بشكل لا يفسره أحيانا سوى التراث الثقافي الذي لازال فاعلا رغم تغير مبررات وجوده.

 

صحيح أن الأبوسية سيدة الموقف في المجتمع الواحي، لكن على مستوى السطح فقط، إذ القاع الإنسي أموسي، الأم والدة بالحجة الطبيعية العينية وليس الأب، لا يمكن إلا أن تكون حاضرة كما هو الأمر في جميع المجتمعات، وذلك مع النبش والمحاورة والتأويل نصل إلى قاع أموسي محدد للعقل والوجدان.

 

في هذا السياق نقترح الحوار الأموسي الأبيسي كمحدد وصائغ للهوية، ويمكن أن نحاجج هنا بالأسطورة والحكاية والسحر والدين.. بل وبالحنكة اليومية والمهارات الحياتية..

 

إن أهم شيء في بناء الهوية أنثربولوجيا هو وضع الحدود les limitesوليس هناك جماعة تستحق أن تسمى كذلك إلا ووضعت حدودا مجالية ورمزية وعرفية للمنتمين إليها، حدودا تميز ليس العلاقات فحس&#

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article