أهرامات غريس
أهرامات غريس
أدب الأشياء
على بعد بضع كلمترات من واحة كلميمة شرقا تجاه الرشيدية، تنتشر آثار جد هامة، وهي على شكل كراكير بروتوتاريخية ذات قيمة ثقافية لا تقدر. يطلق عليها بالأمازيغية إكرار، جمع أكر ور. وهذا النوع من المدافن الأمازيغية القديمة موجود أيضا في الجزائر[1]، وربما في شمال إفريقيا كلها.
يدل لفظ أكرور في الأمازيغية حرفيا على ركام من الحجارة مع إيحاء أسطوري- معلمي، وربما سحري كمحدد للمجال والحدود.. Marqueur d’espace
أكرور، هو قبر الأمازيغ قبل الإسلام والمسيحية واليهودية، وهو بناية تتبدى على شكل أحجار مختلفة الأحجام والأشكال تحيط بحفرة جنائزية، وللبناية غالبا باب صغير موجه نحو القبلة، وهي أحجام مختلفة توحي بتراتبية ما. ورغم أن الأهرامات هذه جد منتشرة في حوض غريس كله، الأمر الذي يدل على العمارة القديمة لهذه الربوع، فإن الأهالي لا يذكرونها البتة في أحاديثهم، الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال. أما الذي يهمنا هنا في الواقع فليس البعد التاريخي والأركيولوجي، وإنما تمثلات الناس وكيفية استعمالهم لهذه الآثار.
ما هو الأكرور في الرواية الشفوية؟ هذه العلامة التي تملأ المكان والغائبة عن الوجدان، لماذا تتجاهلها و تتناساها أو تحاول أن تتناسها الذاكرة المحلية[2]؟
هناك حكاية محلية تحاول أن تفسر الأكرور بانتحارات جماعية تمارسها الساكنة الوثنية أثناء القحط قبل الإسلام، وبذلك فهي مقابر ترجع إلى العصور الظالمة للجاهلية، وتضيف الرواية أن الأمر متعلق ربما بمرضى طال أمد مرضهم وفقدوا الأمل في الحياة، ولفعل إكركرك يذلك دلالة الإفلاس وعدم القدرة على البقاء على قيد الحياة انتظارا للموت الطبيعية التي يفضلون عنها الإتنحار. وبذلك يبنون هذه البنايات الغريبة والتي تحملها أعمدة تكسر ليخر الكل على الكل وينتهي الأمر.[3]..
إلى جانب هذا الكركور كقبر فعلي توجد كراكير أخرى وهمية ورمزية ذات حمولة ووظيفة أنثربولوجية جد مهمة، وهذه بعض الأشكال:
_ الكركور، قبر المغدور، ووظيفته دفن وتثبيت روح المغدور حتى لا تعود للثأر..
_ كركور وسط الطريق، ربما للأنس ونسيان مشقة الطريق...
_ كركور العالية....
_ كركور السافلة....
_ كركور مدخل الدوار...
_ كركور باب المقبرة
وبين الكراكير جميعها يبقى كركور المقتول تحت الحماية أهمها على الإطلاق، وهو نوع من الرجم الرمزي لصاحب الحماية والعناية كرمز لما يسمى في العادة المغربية العربية والأمازيغية العار الكبير، وبذلك تصبح حياة الحامي الذي قتل محميه يدون معنى، حياة جسدية فحسب، أما اجتماعيا فهو ميت متى سقط عاره، ويمكن أن يخبر الناس في القبيلة وخارجها ببراحين يطلقون، واك واك أو واق واق بأكف مضمومة وإبهاماها إلى الأسفل...وأحيانا تقرأ الفاتحة بأكف مفتوحة ومقلوبة نحو الأسفل أيضا...ومنذ تلك اللحظة تقطع الجماعة أي معاملة مع المعني وليس له عليها أي اعتراف من أي نوع كان، وغالبا ما يغادر القبيلة لينفي نفسه بنفسه، إنه العار[4]، القاعدة المركزية للعرف في المجتمع المغربي التقليدي، وربما المفهوم المركزي للثقافة الشفهية كلها، وطبعا مع مفاهيم أخرى مثل الدم. العار هو الحدla limite بالمعنى الأنثربولوجي بين الإنسية وغيرها...
من جهة أخرى يمكن لنا انطلاقا من هذه المؤشرات الهامشية أن نقوم بتحليل نفسي للمجتمع، خصوصا وأننا بصدد بنيات مكتملة البناء والتشكل، تملك لاشعورا كافيا، وكذلك أنا أعلى قوية تشتغل بكفاية وتعمل على تأبيد القيم البانية.. إن تمثل الجماعة لمآثرها نوع من زلات الوعيlapsus تفضح ليس المخزون الفائت فحسب، بل هموم الحاضر ورهاناته ومصالحه الدنيوية، ومن هنا ضرورة الإنتياه لما يقوله الناس على أنها استعارات لا بد من كشف مدلولاتها غير المجازية، ولو مؤقتا، ما دامت دلالات الدالات تتغير بتغير الاستعمال الاجتماعي للمدلولات.. وهي لعبة معقدة ومتحولة ومتلبسة يتقنها الناس البسطاء والعلماء على حد سواء، بشرط أن تكون البساطة والعلمية غير مصطنعتين وغير مجازيتين...
إن الغريسي، نسبة إلى واحة غريس، كمسلم عادي، لم يألف قبورا تبنى بحجارة ضخمة كما هو الأمر بالنسبة للأكرور، هو الذي لا يعرف القبر إلا حفرة بسيطة في الأرض، ومن ثمة لا يمكن أن يكون تفسيره سوى حكما وإدانة، لأن المجتمعات التقليدية لا تستطيع الملاحظة والتقرير ورفع الحكم والانتظار والاحتمال، هؤلاء لا يشبهونا إنهم على خطأ، إنهم جاهليون، ونجد نفس الحكم عندما يتحدثون عن مدافن جنائزية أخرى غير مبنية هذه المرة ولكنها منحوتة في الجبل حيث يسمونها تدارت نورومي، منزل النصراني... " أيت أكركور هم الساكنة الأولى لغريس، لكنهم ليسوا أجدادنا، إنهم ليسوا أجداد أحد.. " تقول الرواية الشفهية هنا بتواتر جيد.
تحاول الساكنة، بكل ما سبق، تحويل الجذر " الطبيعي" والإنسي للعار والعرف، المحددان الوجوديان للقبيلة، من" الطبيعة " إلى الثقافة، لكن الأمر لا يتم إلا عبر الذاكرة الإصطفائية، وبذلك يقبل كل المخبرين العلاقة العضوية بين العار والعرف، لكن العلاقة بينه، أي العار، والكرور أمر غير مفهوم وغير مستساغ حتى، الأمر الذي يجعل الباحث مخبرا لمخبره، إن الباحث وحده يملك إمكانية الربط المعرفي بين المتفرق في اليومي، لكن الأمر يبقى نسبيا حيث نظريات المخبرين أحيانا لا تقل قيمة عن النظريات الاجتماعية، بل وأحيانا ما تلهث هذه الأخيرة وراء المفاهيم المسماة، غير عالمة...
[1]_Fanny CLONNA, ce que les paysans disent de leurs ruines. in BESM, n° 159_160_161, PP , 249_ 267.1988
توصلت فاني كولونا حول نفس الآثار في الجزائر إلى نفس النتائج التي توصلنا إليها
[2] نفس ما لاحظته فاني كولونا بالنسبة لفلاحي الجزائر
[3]وفي نفس المقال تتحدث عن وحدة ثقافية أمازيغية من الأطلس حتى جبال نفوسة نفس الرواية ذكرتها فاني كولونا،
[4] - حول العار، أنظر كتاب ديل إيكلمان، الإسلام في المغرب، ترجمة، أعفيف، محمد، ص،36.توبقال. 1999