في ثقافة الفقر

Publié le par Kostani

 

 

في ثقافة الفقر، الواحات نموذجا

 

إلى كل فقراء تاديغوست

 

يبدو أن الجفاف كظاهرة طبيعية، تتجلى في عدم تساقط الكمية الكافية من الأمطار في الواحات، ليس أمرا طارئا، بل ثقافة وشكل طبيعي من أشكال الحياة والوجود.

 

كما أن الفقر في تمثل الساكنة ليس حالة يمكن أن تزول، بل قضاء وقدر يجب الانصياع والإنصات إليه ومحاولة تدبيره. وبذلك كله يمكن أن نتحدث عن ثقافة للفقر، ليس بالمعنى المعرفي أو السياسي حتى، وإنما بالمعنى الحسي العملي بمفهوم بورديو. لأن الإنسان كإنسان لا يقف مكتوف الأيدي أمام الجائحات ، بل يعمل دائما على صدها أو التخفيف من وقعها على الأقل،بل وإنشاء شبكة من القيم حولها، أليس ّالفقير ّ هو الولي ؟ أليس الغنى هو غنى النفس ؟ إلى غير ذلك من الدلالات التي تمجد الفقر و الفقراءوذلك كله في أفق الاستمرار و البقاء.

 

 وإذا كانت هناك عوامل جد مسرعة لأثر الجوائح مثل الخلافات الإثنية،  والصراع بين العالية والسافلة، والتراتبية وتعقد البنية العقارية، وتفتت الملكية، وتآكل الأرض وتعبها، دون ذكر تخلف إن لم نقل البدائية التقنية، وكذلك عدم الدعم المادي والرمزي للفلاح، بل وتبعيته التقليدية للزعامات الانتخابية واستبداد الأعيان وتحالفا تهم، إذا كان كل ذلك جد معوق للبقاء حتى، فإن الإنسان الواحي ورغم ذلك استطاع أن يخلق آليات يكبح بها مفعول الطبيعة وفعل أخيه الإنسان.

 

لاتهمنا، هنا على الأقل، كل الآليات الطقسية والسحرية والاحتفالية أو الدينية، الأضحية وّتلغنجاّ والصدقات وصلوات الاستسقاء.وإنما الذي يهمنا كيفية تدبير وتوزيع الساكنة للماء حسب جودة السنوات، وهو توزيع جد مطابق استوحيناه من السلوك الطبيعي لفلاحي واحة تاديغوست ،وهي قرية غريسية جد معرضة للفقر والجفاف ، وكثيرا ما كانت تعتبرها السلطات الأهلية منطقة منكوبة .

 

ترى الساكنة أن السنة جد جيدة إن استمر صبيب مياه الوادي ليطال الواحات السفلية وربما تافيلالت ،ويسقى البور دون دور.

 

وإن سقي البور دون دور ودون أن تستفيد الواحات السفلية، فالسنة لازالت جيدة.

 

في هذه السنوات الكريمة تستقطب الواحة غرباء خارج الواحة، يساعدون الناس في جمع الغلل مقابل حصص جيدة يقتربون بها من مستوى متوسطي الحال، تكثر الأعراس في البلدة، ولا يكاد فضاؤها يخلو من أفراح ورقصات وأهازيج، وربما ظهرت للوجود مشاريع صغرى ومتوسطة، مثل استصلاح الأراضي وإنشاء مزر عات جديدة، أو بناء وإصلاح المنازل و شراء آلات طحن الحبوب، كما تستشري موضة شراء الدراجات أو الدراجات النارية حتى، ويسود جو من المنافسة والتباهي البريئين، وتجد الشباب يقضي وقته الثالث في البحث عن روحه الأخرى.  

 

تكون السنة حسنة إذا روي البور بالدور، ومستحسنة إن فلح المزارعون مزرعتهم المسقية بدون دور.أما السنة العادية فهي أن تسقى المزرعة بالدور_ 25 يوما _ ولا تزرع الذرة بعد حصاد القمح والشعير، أو تتضاءل مساحتها على الأقل.

 

 وحتى هنا تبقى الوجوه مستبشرة وبشوشة، والود طافح والعلاقات بكل خير.

 

أما بداية الجفاف والسنة الناقصة، بتعبير الفلاحين، فتتجلى في زرع المزرعة بالدور ومياه بعض المضخات، 40 يوما.

 

 وتبدأ تسوء الأحوال عندما تفوق أيام الدور أربعين يوما.

 

ويبدأ النقاش الأزلي حول من يجب عليه أن يستصلح السواقي، هل المالكين لأنهم هم الذين سيستفيدون أولا من سقي أراضيهم، ومن ثمة العمل،بعددّ تاكوراّ، أي حسب مستوى الملكية( عدد الفدادين)، أم العمل وفق كل سواعد الساكنة،  بّحد الصايم ّ ،بمعنى وجوب استنفار كل شباب القرية، الفقير قبل الغني، بدعوى استفادة الجميع من منتوج الأرضوهو نقاش عقيم يؤشر عن البؤس أكثر من بحثه عن الحلول المناسبة لإنقاذ الواحة التي كثيرا ما تتناسى مياهها تضيع في الوادي وتغرق ذاتها في الأحقاد القديمة والجديدة، وفي النميمة والمناوشات التي لا طائل من ورائها، تلك المناوشات التي تنفر أصحاب النوايا الحسنة.

 

 ويسوء الحال جدا عندما تغيب الفصا من الواحة، وتبدأ النسوة في جمع بعض الكلأ والأعشاب.

 

 وتكون عجفاء عندما تلتقط أوراق الزيتون اليابسة غذاء للدواب، وعجفاء جدا عندما تحش بعض الحشائش التي لازالت ملتصقة بجذورها، وتبدأ الوجوه الآدمية في الاصفرار. أما السنة التي لا سنة بعدها فهي عندما تنقب النسوة الأرض لإخراج ما بها من جذور( !)

 

هنا تقف الدورة الحياتية، ويجف الفرح في الحلق، فكما الدواب والنبات، يتقلص النسل عند الآدميين وتبور الفتيات، ويهجر الشبان القرية ولا تكاد تراهم إلا في العيد الكبير، كما تكثر المشاحنات لأتفه الأسباب، ترجع النسوة إلى الأسمال برتقهن،و ينام الرجال أينما اتفق، في الأزقة أو في قارعات الطرقات أو في الساحات العمومية. ولا حديث هنا للقيم الحداثية من تمدرس أو محو أمية وما شابه

 

هل جربت أيها المدني المثقف مجمعات سكنية بدون أطفال وبدون شباب وكذلك بدون كهول؟ لا يوجد هنا غير النساء والشيوخ والأرامل والمرضى …

 

إن الواحات في أصلها بدون مؤسسات الحداثة، فلا مسرح ولاسنيما ولا دور شباب ولا مراكز ثقافية، و لا مطمح عندنا لذلك- أنشأنا عريضة سنة 72 نطالب فيها بدار للشباب فحسب!، لم يلب طلبنا بعد ثلاثين سنة، وكم كنا نتفكه بزرع خيالي للمؤسسات الثقافية في المزرعة، فهنا بناية المسرح، وهناك ملعب التنيس أو كرة السلة، وفي مكان آخر مربع مسبح أزرق رائعلست أدري هل يمكن لمثقف حضري أن يفهم ما أقول-نحن الآن نريد فقط أن ترجع المياه إلى سواقينا لنأكل حتى الشبع ولنلبس النظيف، ولنخرج كل مساء ونقوم بنزهتنا الأزلية في الحقول، تلك النزهة التي تساوي ألف فرجة وفرجة من فرجكم أهل المدن

 

 وبغياب ذلك ينشأ العنف، ولو على الذات، حيث بدأنا نسمع عن انتحار الو احيين.

 

الإنسان الواحي لا يعاتب أحدا، ولا يسأل أحدا، فهو في عمق فقره عزيز النفس أبيها، متشبث بخصوصيته ولا يرضى عنها بديلا.

 

 بعد كل هذه الكوارث، إما يغاث الناس، وإما تكون الحالة جد بئيسة ،وتصبح منتجات الفلاح بدون ثمن، وسلع السوق في غير المتناول ، وتبدأ الهجرة ، أولا إلى الواحات المجاورة والأقل جفافا ، وإن استمر الحال على ما هو عليه ، اضطر المهاجرون إلى البقاء في الواحات الجديدة أو الهجرة حتى إلى قرى الأطلس أو سهل ملوية أو ما وراء الأطلس ،حتى تضاف إلى أحزمة البؤس في المدن .

 

وعندما يخف الجفاف، ربما رجع البعض، غير أن الدورة الجفافية تكون قد أكلت الشحم واللحم والعظم، فتذهب القوى المادية والمعنوية سدى، وتنكمش الذات ويصيب اليبس واليباب الجسد والروح فتفقد الفعل و المبادرة ،ولو إلى حين

 

وقد تنبعث الواحة من رمادها، وقد ترجع بعض أموال السواعد، فتزهر الحياة كغابة أينعت بعد حريق.

 

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article