السنونو تتجمع لترحل

Publié le par Kostani

السنونو تتجمع لترحل

 

"يا ربي بالمصطفى بلغ مقاصدنا

واجعل منازلنا في جنة النعيم"

هكذا كان ينشد رجل شبه أعمى، كلما حل موسم الحصاد، قيل لنا أنه مريد زاوية أهل وزان. لم يكن الرجل ينشد فحسب، بل وكان يوقع إيقاعات حزينة ورتيبة على طبل صغير مزدوج. كلنا كنا نحب الرجل، لكن عليا كان أكثر افتتانا به، يتبعه من باب لباب ومن زقاق لزقاق.

_ ليتني عرفت من أين يأتي هذا الغريب؟ وأين يذهب عندما يجمع العطايا؟ وهل له صبيان؟ لو دعاني معه لرحلت.

يملك علي اليتيم المعدم معرفة دقيقة بالأشجار والفواكه والظلال والأنواء، يخبرك عن النخلة المبكرة أيان إنضاج تمرها وبلحها، عن التينة المختبئة في الأحراش، عن جودة الرمان وضرورة التمييز بين حلوه ومره، يقرأ الغيم وينبئنا بأنها ستمطر في المساء أو ستستحيل ريحا عاتية...ورغم خبرته الكبيرة هذه فلم يكن يبخل بها عن الأتراب، كما أنه لم يكن أكولا نهما أو بخيلا يخزن محاصيله في أعلى غرفة بمنزل هجره أهله وأصبح مسكنا للزواحف والغلال "المسروقة" كما يفعل الآخرون، كم كان يسخر من ذاك المدخر العنيد أو من صاحب الجراب الذي لا يكتفي بالازدراد فوق الشجرة. علي لا يحب أن يأكل فاكهة غير ناضجة أو غير طرية، كان يفضل أن يملأ بطنه باكرا إن أمكن وإلا فوقت الهجير عندما ينام الناس. لعلي اليتيم ثلاثة منازل، منزله الأصلي الذي يسكنه هو وأبوه وأخوه، ثم الخربة المهجورة يستهلك فيها استيهاماته وأحلامه، ثم منزل وظيفي عافه معلم مدرسة وراء الجبل، رمم علي المسكن الأخير وجعله مخزنا لمئونة حقيقية كان يغدقها عليه الأستاذ الكريم.

ماذا كنا سنكون لولا هذه السواقي، كان يردد، الساقية ترضعنا نسغ الأرض سكرا حلوا تخزنه الفاكهة نعمة وفرحا. كانت نظريته أن كل من لا يأخذ حصته الكافية من سكر عروق الشجر سيصاب بالجنون أو الحزن في أحسن الأحوال. كل شيء في المزرعة كان علي يحسن تدبيره إلا الطيور، ماذا أذنبت هذه المخلوقات الصغيرة حتى نهاجمها في أوكارها، وما عسى أجسادها النحيلة يمكن أن تغني من جوع، الفاكهة، الفاكهة هي الغذاء وهي الدواء ...

علي يحب الكلاب أيضا، لكنه لا يستسيغ مهرجانات اقتتال الكلاب التي يعدها علي آخر ويتيم أيضا، والذي يملك قطيعا منها، يعدها بالتدريب بالتجويع وجز ذيول الجراء منها وملء الجراح بالفلفل الحار حتى تعنف ويختل سلوكها، لا شيء  يجعل السلوك مختلا غير الجراح.

في الخريف، عندما تزرق السماء، يزداد فرح علي، فهو لا يجوع البتة في الخريف، يقطف من التمر ما يشاء و يغدق لبنا من أي امرأة يقف بباب منزلها أو يرضع حتى من أي بقرة يشاء عندما نسهر ولا نجد  ما نبلل الأفواه به ونطفئ حر التمر. 

يدير طفل آخر، لكنه في هيأة رجل، يملك جسد حصان و روحا مرحة تملأ الجموع بالقهقهات.

_لو علم بنا وبحالنا المخزن لأصبحنا أنا وعلي في عداد الأبطال، أنا في الملاكمة أو حمل الأثقال وهو في المسافات الطويلة.

عندما يحل الربيع، يكون تمر الخريف قد انتهى ومشمش وخوخ الصيف لم ينضجا بعد، وعلي يعاف أكل الطيور المهاجرة. هنا يعود إلى منزل المعلم وخزين هبات المعلم، يتحايل على التين المجفف والسمك المصبر وحليب التعاون الأمريكي المجفف. لكن ما أن ينتصف الربيع حتى يعد أكلات الفول المخنوق في التراب وشي الشعير وحتى بعض المشمش الأخضر وإن كان يسبب المغص والإسهال.

_مادا تفضل علي أم كلئوم أم ناس الغيوان؟

_ التمر المعجون

_ عبد الحليم أم جيل جيلالة؟

_ تين الصباح

_ لكن لا بد أنك تحب غناء ما

_ " يا سيدتي فليبارك الله خطاك   وليجعل سعدك مستقيما مثل القصب

هذا هوالغناء وغيره هراء.

علي يتيم الأم، علي الآخر يتيم الأب، صاحب الجراب يتيم الأب أيضا، كان الآباء يموتون ويتركون الأطفال للمزرعة والتحايل على القدر واكتساب مهارات التأقلم واستراتيجيات الدفاع، ليس الأمر كما هو الآن حيث يطول سن الآباء وتطول طفولة الأبناء...

الأطفال في الواحات يعيشون على خلفية المشهد، يفرحون عندما ينشغل الكبار بحفل عرس أو ختان، ليس المشهد هو المهم وإنما تلك الغلالة السعيدة التي يضفيها على الوجود، أن تسمع الرقص أفضل من أن تراه، أن تسرق جنانا وهم في رقصهم منشغلون سعادة ما فوقها سعادة. وحتى عندما نشارك في مواسم الجني تمرا أو زيتونا أو ذرة فهي مناسبات لألف حكاية وحكاية، سباق حمير، جني جانبي يدر دريهمات يتحايل علينا البقالون بتبديدها في الكوكا والسردين وأشياء لا تنبتها الأرض. أما الفواكه والخضر فليس لهاموسم جني لأنها سريعة التلف ويفضل جني ما يستهلك منها في ذلك النهار فحسب، وهذا سر عدم تسويقها لأنها صعبة الخزن والحمل، وربما استبدل بعضها ببعض ما لا يوجد في القرى المجاورة فحسب. ورغم ذلك فقد يوضع الخوخ والمشمش وحتى الطماطم وبعض الخضر مثل الجزر واللفت في الشمس حتى تجف ويتبخر ماؤها لتستهلك يابسة في الشتاء بلذة ما بعدها لذة.

قصص علي معي ومع الأشجار كثيرة، حدث ذات يوم بعد أن استجبت لصفيره المنادي، أن أخبرني بتينة عملاقة لن يأكلها سوى من سبق لجنيها، السباق أهم من الجني، في أسفل الشجرة لمحتها كاملة النضج كملكة بالنسبة للتين الآخر.عد علي ، واحد جوج ثلاثة وبدأ التسلق، رغم بدانتي أبليت بلاء حسنا واستطعت أن أصل إلى القمة، لكن ما أن رفعت يدي لقطفها حتى خر الغصن الذي تحت رجلي تحت ثقلي، لم أشعر إلا وأنا ممدد على الأرض أنظر إلى السماء، القرد بيده التينة والجهة التي امتطيتها كلها منزوعة الأغصان . نزل وناولني التينة، إنك تستحقها قال.

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article
K
<br /> <br /> galik gui khassek takteb belfranssawiya bach yafham !!!<br /> <br /> <br /> <br />
Répondre