تأبط كفنا

Publié le par Kostani

تأبط كفنا

الحرية هي القدرة على اختيار المصير، وعندما لا تتاح الإمكانات لذلك تكاد تكون الحرية اسما بدون مسمى. تملك الإرادة والقوة الكافيتين على الفعل ولا تجد مجال الفعل، يبقيك الأمر في العبودية.

المرأة في الواحات لا تملك الإمكانات والخماس أيضا، الرجل حر لأنه يختار ويجد أمامه إمكانات الاختيار، وكذلك المالك، أما المعدم فموكول أمره لأعراف مجحفة  ووصم مذل. والإذلال دوما لا يخلق سوى الإذلال، فيضيع الكل في مساومات وخداع لا ينتهي، سرقات الخماس لصاحب الأرض، مؤامرات المرأة مع أخوال الأبناء، حكايات قسمات الإرث، ونزاع حدود الفدادين والوصم باللون...

" يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف"

هكذا كانت النسوة يرددن منتحبات. لقد مات الملك. وماذا بعد إن مات الملك سألت أمي؟ سنعود إلى السيبا أو سيرجع النصارى أجابت  وهي لا تمضغ كلماتها. وما السيبا وما النصارى؟

ليست الواحة فردوسا وليس الواحيون ملائكة، فهم كبقية بني آدم تنتابهم الشرور وتعصف بهم الأحقاد.  لهم كبقية الناس نزوعات ومثالب،  وكفاهم فخرا أن تحصى الخطايا.  صحيح أن عهد قطع الطرق انتهى وأن زمان أوفاق حماية العشائر الأقل عصبية بالذبيحة ولى، وأن اللصوصية النيلة وثقب الأسوار وإخراج سكر النخيل بآلات النقب كذلك أصبح محض ذكرى...ورغم ذلك فالجنايات والجرائم سنة من سنن الكون وأن الحجم السكاني الصغير وتعارف الناس فيما بينهم وقوة المعيرة وقيم التضامن والخوف من الله لا يمكن لها أن توقف القدر وعدم الوقوع في المحظور.

حدث ذلك ذات يوم سوق، حل الدرك لأول مرة في القرية الراكدة فأحدث ذلك رجة زعزعت كيان الناس، لقد جاؤوا لاقتياد القاتل بعدما تأكدوا من فعلته بآلة تكشف خبايا النفس يقول الناس. رحل الجاني ولم يفعل المحرض سوى أن أشترى مدياعا صغيرا يلصقه كل يوم بأذنيه عل عفوا ما يخرج أخاه الذي قتل أخاه والمحكوم بالمؤبد والقابع بسيلون سجن عين مومن. كيف يمكن لقلب واحد أن يحضن الحقد والرأفة في آن....

لم يحدث أي شيء عندما ساروا في الركب، لقد كانوا تحت تأثير الشوق للضريح، لا شيء في الطريق البرية غير الصلوات على النبي والأمداح، يشارك فيها المعدم الغني والأبيض الأسود، الزاوية تسوي كل شيء بكل شيء. لكن عند العودة وقع الشنآن، ربما الصفحة البيضاء بالحج حنت إلى اسوداد. وقع ما وقع وقيل ما قيل بين اثنين من الرجال أحدهما أبيض والآخر أسود. كتم الأبيض ما قيل فيه حتى الديار. ونحن جالسون بباب الحارة كمعتاد كل مساء، كان الأسود، وحيد أمه، جالسا كعادته لا يكلم أحدا، في لحظة جنون جاء الأبيض مهرولا من زقاق الخبز ولم يقف حتى هوى يعصى غليظة على رأس غريمه وفارت دماء حارة من رأسه نحو السماء، فر الجاني ملتويا نحو درب يمين الجالسين واحتمى بمنزل صاحب الكفن.

هو رجل في الخمسين، والخمسون في الواحات سن ثابتة، والستون كذلك وحتى السبعون. رجل لا يعرف فمه الابتسامة ولو في أيام الأعياد والمسرات. رزق من الأبناء ولدا وبنتا، زوج الطفلة وفتح دكانا للابن، الكل في القرية يخشاه ويتحاشى التواصل معه. قسوته مرعبة، تبدأ بحمله كفنا أبيض كلما أمم المسجد للصلاة، لتنتهي بتحريضه أخيه الأوسط لقتل أخيه الأصغر الشاعر الأوحد للحارة، ليموت الشاعر غدرا ويترك أرملة تكد لتأمين القوت المر لطفليها، أما القسوة اليومية فتسلط على الحانوتي الذي كان ينيب عطفا وحنانا عن أخ لي سافر خارج الواحة لطلب العلم، ويل لكل من تجرأ بلمس أي شيء من متاعه، الحارة كلها تتذكر يوم اقتاد طفلا يجره بحبل مربوط بعنقه ليقيده بباب حانوته لا لشيء سوى أنه قطف بعض الفواكه وبعض الورود من حديقته السرية.

إلا أن للرجل زوجة مثل نسمة الصباح وبطيبة المطر، كانت تمر كل عشية بباب المنزل تسوق بقرتها نحو الحظيرة، وعندما تصل إلينا نحن الأطفال المستغرقين في اللعب، تهش في وجوهنا وتوزع علينا قطع السكر الصغيرة وبعض الموز والجوز.

ورغم ذلك فقد دعانا الجلف أنا وأمي  ذات يوم على شرف حفيده لطاجين مفلفل ومكسرات بزبيب...  

شابة محملة فوق بغلة، مسدولة الوجه والجسد، تحمل بيدها اليمنى قصبة في أعلاها ورقة، وبالبغلة تجوب حواري وساحات القرية. فهمت بحدسي الطفولي من حوارات النساء أنها عروس اتهمها العريس في ليلة الدخلة بكونها ثيبا، والورقة شهادة الطبيب التي تثبت عذريتها.

شابة أخرى رفيقة درب تزوجت ابن عمها، بعد ليلة واحدة رجعت إلى الحارة وعلى وجهها حزن غريب، لم يرحمها ابن عمها وكيف يرحمها الناس، لم يقبل أي شاب من أن تكون زوجته فتزوجت رجلا في سن أبيها...

أحداث مؤلمة ومنغصة، لكنها خيطت بمنطق الاجتماع وناموس الإنسية.

ليس صدفة أن يكون صاحب الكفن حاد الطباع، و ليس صدفة أن يكون متهم ابنة عمه غبا ساذجا يعامل على حد عقله من طرف الأتراب، كما ليس صدفة أن يكون متهم صاحبة القصبة والشهادة مصابا بالصرع، المرض الذي سيلقى به حتفه، وصاحب العصا والذي هوت عليه العصا معروفان أيضا بنقص في الاجتماع. وأخيرا ليس صدفة أن يكون شيخ القرية داهية متعلما زاده الله بسطة في العلم مزق ذات يوم ملف غريمه في المشيخة...ومراقب المزرعة حاذقا زاده الله بسطة في الجسم وسرعة انتباه الحواس.

 الجناة دوما ضعاف، وضعاف العقول خاصة، فهم لا يفعلون ما يفعلون في كامل لياقتهم الذهنية، وبجانبهم دوما آخرون، وأقارب ربما، أقوياء في الحقد والانتقام ، ولو لأنفسهم على أنفسهم بأيدي وأفواه المجانين. صحيح أن الحقوق سبقت الواجبات وأن الأمر يعتبر المعيار الأول نحو التحضر بتعبير جورج زيمل، وصحيح أيضا أن نبذ العنف هو المعيار الثاني بتعبير نوربرت إلياس، لكن حدا أدنى منه باق لتتخذ الجماعة ما يكفي من الاحتياط.

هذا ربما ما أسماه مارسيل موس بالمنهجية الناقدة: عزل الأفعال والأحداث وتجريدها يساعد على فهمها نحو التنظير لها، دون نسيان أن الناس يملكون ما يكفي من النظريات حول معاشهم، وأنه أحيانا تكد المعرفة المعيارية لمسايرتها.

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article
L
<br /> <br /> صراحة عندما دكرت لنا وبصورة سريعة بعض تلك الأحداث خلال الدرس تمنيت لو توسعت قليلا لكن شاءت الأقدار أن أقرأه كاملا هنا<br /> <br /> <br /> شكرا أستادي على الموضوع<br /> <br /> <br /> <br />
Répondre