ليالي الحصاد

Publié le par Kostani

ليالي الحصاد 

وحديث عن القمر والشمس

يستهلك الناس هنا حيوا تهم كما تستهلك الأرض الماء، يعبونها رشفة رشفة، يتلذذون بكل جزيئة من جزيئاتها ولا ينتبهون إلى ما يفعلون. يمزجون الشغل بالغذاء بالجمال. لا فصل ولا وصل، ما دام كل شيء هو كل شيء أنطلوجيا مهما بدا منفصلا ومتناقضا. الأرض هي الماء، والأرض والماء هما الإنسان، والكل محاط ومندمج بالسماء.. الروائح بالصور، الأصوات باللمسات، والأهازيج بالجسد، والألوان بالصنع... والوجوه تخبرك باستهلاك الحيوات أيضا للناس...الرضا، ولا شيء غير الرضا...نحن هنا سعداء، فقط لو يتركونا لحالنا...

  عدم الاكتراث هنا سلوك  متجذر، عش حياتك وامض، لا تلتفت يمنة ولا يسرة، الآخرون موجودون لكن وجودي هو الأول، الفلاح غير مكترث، عيناه في الأرض والتراب والماء، المرأة غير مكترثة عيناها على الصبية والبهائم والبرسيم، أبناء المقاتلين غير مكترثين بالأيام وفتوحات الآباء، وحده اليومي يهم. الطلبة" برفع الطاء" منشغلون بالسلكات وتلاوة القرآن حتى لا يضيع. حتى تلاميذ المدارس العصرية غير مكترثون سوى بدروسهم يعبون منها عبا وينشغلون بها حتى عن مساعدة أشغال الحرث والسقي أحيانا.

 أللاكتراث صدفة تحمي الكل من الكل،الفقير من الحسد والغني من الالتفات شفقة  قد تنغص التحايل على الزمن. أما ما يوجد وراء السهل المنهي للمزرعة فهو موجود جغرافيا وليس انتماء، سوى في الدين والوطن، الأول كشعائر يومية طقسية مكرورة والثاني في الحفلات والانتخاب...

كل ذلك مشفوع بقناعة رائعة تحسر العين عن متاع الآخر، ما عندي أفضل ولو كان قليلا، ما أملك أغنى ولو كان متواضعا، وهي قناعة  قد تبدو من الخارج مذلة، لكنها عميقة من الداخل تملأ الكيان والكينونة معنى يدرك بها السر وما خفي من الآيات.

اللا كتراث والقناعة يعبر عنهما و بهما عن تلقائية مدهشة، عن تعبيرات فوق عالمة  ملبسة بأثواب مطرزة بالشفافية والبيان الخفي، بيان يسخر من المفاجئة والجدة الخاويين... 

ورغم هذا الشعور بالتواجد في آخر الدنيا فالفاقة تحتم هجرات الحصاد والبحث عن قوت إضافي تفرضه السنوات العجاف، كما أن البراح والسوق والموسم وغيرها تأتيك بالأخبار وتربطك بأحداث وأخبار قد تطال العالم...نحو الكعبة ومكة التي يأتي منها الحجاج بصرر التراب ليشتمها من لم يسعفه الحظ لتطأ رجلاه أرض الوحي وقبر الحبيب... كما أن المخيال المحلي يعلم أن هناك وراء دار الإسلام والديانات السماوية قوم همج ستطفح بهم الأرض ذات يوم، هم هاجوج وماجوج الذين لن يصدهم سوى عودة سيدنا عيسى ليملأ الدنيا عدلا... ودون هؤلاء  قوم متوحشون من فصيلة بني عريان وبني كلبون جاءت بأخبارهم الرحالة وجند لاندوشي..بل وأن تاريخ البشر قد سبقه تاريخ آخر كانت تتكلم فيه الحيونات والشجر والججر...

في غياب الحرف والكتاب والنقد تغيب الازدواجيات، و لا يبقى غير هوية ووحدة الانتماء، وحدة لا تلغي الاختلاف لكنها تتحايل عليه باستمرار، تحايل في القول والتواصل والطقس. الناس هنا ناس وكفى، رجال ونساء، أطفال وكهول، مالكون ومعدمون، لكن الكل مجبر على أن يعامل الكل وفق الحاجة إليه حتى في العنف والإقصاء، وبذلك لا يكون العنف نهائيا ولا يكون الإقصاء مطلقا.

ربما فهمنا الواحات أكثر، قبل أن تبنى المسالك السوداء، كما يسمي المحليون الطرق المعبدة، لو قارنها بالجزر، "الهناك" البعيد وإن كان قريبا يصنع "الهنا"، يبرزه، يضع له صفات ومعالم وحدود، و يضخمه أحيانا ليصنع بنية فوقية قوية للانتماء.

"الهنا" إذا هو كل شيء، وعندما أكون في "الهناك"، فكوني مؤقت، وإن لم يستضفني ابن الهنا هناك، ورغم كون عفتي تمنعني عن التنديد، فإنها نفس العفة تخنق في حلقي تلك المرارة "التي لم ينقذني منها أحد هناك حيث كأس الشاي بخمس دراهم، حين براريد الشاي عندنا لا قيمة درهمية لها" قال لي ذات مساء أغبر أحد من أشترك معهم في "الهناك" الذي كان ذات يوم "هنا". هناك الذي يشتغل معي ليصبح هنا، فهل يفلح؟ أظن أنه سيفلح، ليس لفقدانا ل"هناي"وإنما إضافة انتماء إلى انتماء...لأن الهوية في آخر المطاف ترسب سجلات، تتراكم، تتداخل، ينفي بعضها بعضا أحيانا، ننسى بعضها، نؤلف بعضها متى احتجنا إلى ذلكـ، فقط هي لعبة تحب التخفي والمراوغة وتحتاج إلى الزمن والمحن للكشف والانكشاف، وربما لضياع تام يلغي انتماء بانتماء.  

 إن الإزدواجية من الانتباه الانعكاسي نحو الذات والأشياء والآخرين والتي تسمى تفكيرا، لايملكها سوى المتعلم للأبجدية، تلك التقنية التي خلقت أصلا لتسهل الحياة تذكرا للوقائع  وترتيبا لها ومن ثمة الرغبة في تسليبها، لكنها ككل تقنية خلقت منطقا خاصا بها، منطق يشتغل فاعلا بإيجاب لا يخلو من تسليب الإنسان نفسه.

 لم أعد أذكر من قال أن تعلم الأبجدية بدون الحكمة يمكن أن تفضي إلى انفصال عن الواقع عصي الشفاء، إلا أن الحكمة قد تكاد تكون غير ممكنة بدون تعلم الأبجدية...

   

"غضب الأصبع يوم الحصاد

 لما استبدلت الخاتم بالقصب"

هو نشيد الحصاد، يهدهد به الحصادون أصابعهم وذواتهم ويمنونها بأيام الدعة التي ستعود لما تجمع المحاصيل من البيادر وتأويها مخازن الديار.

_لا تجمعوا الحب كله، أتركوا حق البدو، فهم سيأتون لا محالة لجمع ما تبقى في الحقول، ولا يجب أن يغنموا ما تبقى بالإهمال بل ما أبقينا لهم زكاة مفروضة.

هكذا كان يوصي الفقيه ذريته والخماسين.

 البدو النبلاء الذين كانوا يفرضون الإتاوات على المقيمين مقابل حمايتهم ضد بدو آخرين أيام السيبا أصبحوا شبه معدمين يثيرون الشفقة، وعلى الفلاحين أن يذيقوهم بعض نعم الأرض قمحا وتمرا وزيتونا...

منذ فصل الربيع، فصل الخصاصة ورتق الثياب ومعالجة شقوق الأرجل وتنقية الحقول من  الأعشاب الضارة، يستعد الناس للحصاد صناعة للقفف والشواري والزنابيل والشبكات والبرادع، والجل  مفروم من سعف النخيل، تلك الشجرة المباركة.

 كما تشحذ المناجل وتصنع قصبات تحمي الأصابع من جراح السنابل الجافة والحديد، وكذلك خشيبات رفيعة تجمع بخيط يجعل منها أدرعا صغيرة تحمي السيقان.

 كأنه استعداد لحرب.

أما أنا وعلي فلا نحب سوى كل ما له علاقة بالحمير، بدءا باللف على المنازل لاستعارتها لليوم المعلوم، حتى جمعها وإطعامها تبنا وسقيها ماء الساقية إن كان جاريا أو ماء بئر المسجد.

الحصاد نشاط ذكوري بامتياز، ورغم ذلك فالنساء مساهمات، غالبا بإحضار الغذاء في مناديل نظيفة نحو الحقول. وغالبا ما تسمعهن مناديات، إن لم تأتوا فستتناولونه باردا. غير أن الرجال غالبا ما يبقون ماكثين ما أمكن في الحقول خوفا من الهجير.

بعد الغذاء ينامون في ظل الأكوام وقبعات سعف النخيل تغطي الوجوه. فتوقع الصراصير ألحانها الصيفية الأزلية غير آبهة بنصيحة النمل.

البيادر الآن مليئة بأهرامات السنابل. بيادر الأغنياء، وهم لا يتجاوزون رؤوس الأصابع، تتجاوز عشرة من الأهرامات، أما الفقراء فواحد، ويبدأ التوسط بالثلاثة حتى الخمس. عشرات الفقراء والأرامل والطلبة يجوبون البيادر محملين بأكياس طحينية يجمعون ما تناثر بعيدا عن الأكوام  وبما جاد به المحسنون.

القمر بدر منير في سماء هجرتها النجوم. لذر التبن عن الحب لابد من الريح وهي لا تريد أن تأتي، لقد أخذت الأرض شهيقها فمتى يأتي الزفير.

_انهض واقرع فم القلة لمناداة الريح يأمر الخماس ابنه.

وما علاقة هذا بذاك ؟ سألت نفسي

هي لعب استعارية لا يسأل الناس عن مدى نجاعتها، وإنما يهدهدون بها الأنفس الحيرانة فحسب.

وأنا المتيم بالقمر قلت لعلي:

_ كم هو رائع وجه القمر؟

_ أنا أفضل عليه الشمس، ضرباتها تمر أما ضرباته فقاتلة.

_ وهل يضرب القمر؟

_ نعم، ولكنه بهدوء غادر يجعلك تسعل وتسعل حتى تخور قواك.

_ ومن أين جئت بهذه الفلسفة؟

_ الفلسفة تركتها لك، منذ انتسبت إليها وأنت فاقد لاشتغال حواسك وعدت لا تشاركني همومي سوى بثلث رأسك. لك أنت القمر واترك لي أنا الشمس...

لم نكمل حديث الفلسفة حتى جاء حديث الريح، شمر الخماس وابنه ساعديهما لذر التبن حتى لا تبقي الريح غير الحب الذي نحاول جذبه نحو المركز بسعف النخيل.

 

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article