ميلاد الأشياء
ميلاد الأشياء
ولدت في منزل طيني ذات يوم من أيام فصل شتاء ، سنتان فقط بعد عودة الملك، كان كل شيء جميلا، رحل النصارى وزاد صبيب مياه العين . أغدقت النسوة على الأم بسلال من الحبوب والفواكه. فرح الكل بآخر العنقود والذي خرج إلى الكون مسالما كالأمانة تقول الأم. لم يدم مكوثنا كثيرا بالقرية. كان الوالد فقيها يرحل بين البلدات.
ظل الأشجار، هو كل ما حفظته عن المكان الأول الذي رأت فيه عيناي النور. لست أدري هل الظل ذكرى حقيقية أم ما كنت أسمعه عن القرية ووفرة مياهها.
لازلت أحفظ في ثنايا داخلي أشياء كثيرة عن الحياة في قريتي، النسوة عندما يعدن محملات بالبرسيم، الرجال وهم يشقون الأرض أو يسقونها، أطفال الحارات في ألعابهم الترابية التي لا تنتهي، شاب يجلس قرب فتاة في حقل، ولا أحد يكترث لما يقولون، حتى الصيحات والنداء لازلت أسمع بعضها وأكاد أجيب.
ليس أجمل من أستيقظ باكرا أتأمل الشمس الجديدة تأتيني من القرى المجاورة تمسح عنها كسل الليل واحدة بعد أخرى حتى تصل إلى أعشاش عصافيرنا لتستيقظ كأول مخلوق يعشق النور، كنت لا أمل من سماع شقشقتها و تملي قفزاتها الأنيقة فوق السياج.
كما لا أمل من السماع إلى القرية عند الغروب. ثغاء النعاج ونهيق الحمير و صياح الزر زور المارق كل مساء تحت الأسوار، لا أدري لماذا الزر زور يمرق كل مساء بين الأغصان، تمنيت أن أعلم ما يقوله الزر زور، صحيح أن أبي قال لي ذات يوم بأن الطيور والأشجار والأحجار وكل شيء يسبح بحمده، لكن عقدة تعلم لسان الطير لم تبرحني، وكم كنت أغبط النبي سليمان.
بحكم عدم لياقتي البد نية، وبحكم وعكاتي الصحية، كنت كثير التفكير والتساؤل حول الأشياء، كل الأشياء، لماذا ألوان الأقاحي بيضاء، ولماذا الجلنار أحمر، ولماذا تهاجر الطيور، ولماذا كل ربيع تعود، كنت أظن أن العصافير تعود لي أنا والجارة الصغيرة لأننا وحدنا لم نفلح أن نصطاد أي واحد منها، لازلت أذكر كيف كنت أعير فخاخي للأتراب مقابل نصف ما يصطادون، إذ لو تركت لمهارتي لرجعت كل مساء خاوي الوفاض، و أسئلتي لا أسأل بها أحدا، كنت السائل والمجيب في نفس الوقت، وقد كانت تلك موهبتي الوحيدة إن أمكن أن نسميها موهبة، لم تكن يداي تسعفاني في صناعة ما يصنعه الأطفال أو لعب ما يلعبونه، كما لم تكن رجلاي تملك لياقة كافية لأتميز في أفضل شيء عندي وهو لعب كرة القدم، لو كنت لاعبا حقيقيا للكرة لكنت سعيدا. جربت حراسة المرمى وأعطتني بعض وهم الفرح حتى ذلك اليوم الذي رحل فيه أطفال القرية لمقابلة أطفال قرية أخرى دون إخباري، آنذاك علمت أن علي أن ألعب كما يلعب الجميع، لكن دون أن أنتظر أي تميز.
بعد الكرة جربت الموسيقى، كان أحد أبناء أخي الأكبر فنانا حقيقيا، يعزف على كثير من الآلات، وينظم الشعر، كما كان حارس مرمى جيد، ولعب في الفريق المحلي لكرة السلة، أما أنا فلم أفلح حتى في العزف على الناي، حمار الآلات، كان يقول لي من أنا عمه.
من الكرة إلى الموسيقى، لست أدري من قال بأن أعلى تعبير هو الصمت وأن أعلى الفنون ما ابتعد عن الكلام، إننا لا نتكلم إلا عندما نتعب. في قريتي لا يتكلم الفلاحون كثيرا، وكذلك المحاربون الحقيقيون، أشبه الرجال وحدهم يتكلمون، أما الشعراء فهم أيضا لا يتكلمون إلا عندما يصنع لهم سياق الكلام، النساء والأطفال يكثرون من اللغط، لأن النساء جد متعبات، أما الأطفال فلأنهم متروكون لأمرهم، ورغم كل ذلك فهناك كلام ليس كالكلام، كلام الطلبة عندما يتلون القرآن، وكلام الرواة والمتراشقين بالكلام، كان التراشق بالكلام فنا حقيقيا في قريتي. وعندما تعقد له الجلسة يسكت الناس سوى فرسان الكلام.
كثيرا ما كنت أخرج من المنزل لا أقصد أي اتجاه، أجد عليا قرب الساقية ينتظر،ننطلق متوغلين في المزرعة، السماء غالبا زرقاء توحي بالسكينة والهدوء، أما الأرض فخضراء اخضرارا متنوعا يخرج الفرح من الصدر. في نهاية كل صيف تخضر النبات اخضرار الإكتمال موذنة بالتبدل. اخضرار البساتين لا يشبه اخضرار البرسيم، واخضرار التين المائل إلى الزرقة محتشم غيران من الرمان وأوراق العنب وسعف النخيل السامقة في الهواء، أما فضية الزيتون عندما يعبث بها النسيم فتذكر باستعداد الشجرة المباركة للطحن والعصر والإستعمال، اخضرار خفيف هاديء وساكن يوشي ثنايا الأثل العملاق كمارد يحرس الأرض والسماء. كل هذه الفتنة مغروسة في أرض سوداء انفضحت أحشاء بعضها وتبلل أديم بعض آخر وتزين ثالث بسماد الحيوان. آه! لماذا تنتهي الأشياء الجميلة؟