تاعقيط تابع
III- تعقيط غريس والشرع
أُثارت عوائد غريس تساؤلات لدى الفقهاء وصلت إلى حدود القرويين، حيث نجد وثيقة فتوى غير محققة وغير منشورة تحت اسم" المسألة الشهية الإمليسية في الأنكحة المنعقدة في البلاد الغريسية" للفقيه، عبد الرحمن بن عيسى الجلالي المزياتي يناقش فيها الفقيه رأي الشرع الإسلامي في شكل الزواج الغريسي، وهي وثيقة سنعود إليها تحقيقا ودراسة وتحليلا في مكان آخر نظرا لقيمتها التاريخية والأنثروبولوية ولراهنياتها بالموازاة مع إصلاح مدونة الأسرة.
إن أي مقارنة بين تعقدين غريس والفقه الإسلامي، فيما يخص التنظيم السياسي للجماعة والقضاء والمسؤولية الجنائية، وما يرتبط بها من عقوبات ووسائل استتباب الأمن وغيرها، تبقى مقارنة مجحفة وغير ذات موضوع لأنها وببساطة أمور مختلفة داخل الشرع الإسلامي نفسه، والذي يمكن أن تتم فيه المقارنة منهجيا هو ما هو ثابت نسبيا في الفقه الإسلامي، كالأحوال الشخصية، وفي هذا المجال توجد اختلافات رغم التقارب والتشابه، ومن مثل تلك الاختلافات إباحة زواج المسيحي بالمسلمة الأمازيغية، وهي حالات نادرة تقول عنها الرواية أنها حالات تحاول فيها أسرة الزوجة أسلمة المسيحي، ونفس الأمر بالنسبة لليهودي الذي لا تحرم الأعراف زواجه بمسلمة، لكنه نظريا فقط، إذ لم تحصل أية حالة مماثلة في الواقع.
من الأمور الخاصة بغريس والتي أثارت حفيظة الفقهاء الشفعة في الزواج وعدم كتابة العقد، حيث يعلن الخاطب اقترانه بفلانة بنت فلان أمام الملأ بباب القصر( إنكان، الذي يعني نعت المخطوبة بالأصابع)، وهو إجراء يكفي و يستغنى به عن العقد. كما يمكن للرجل عندما يطلق زوجته أن ينعت ثلاثة رجال يشك في كونهم غرروا بالزوجة وكانوا وراء سبب نزاع الطلاق، ولا يمكن بذلك أن تتزوج المطلقة بأحدهم لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر وثلث اليوم، ويمكن لها في مقابل ذلك أن تتزوج بغير أولئك من الرجال. أما الحضانة فهي للأم كعادة وليس حقا.
ليس هناك حقوق للوالدين على الأبناء سواء في حالة المرض أو الشيخوخة أو العجز أو الفقر.
هناك أيضا فرق بين الشرع وتعقدين غريس في قضية إرث البنات، والذي ورغم كونه تابع في مضمونه للشرع، فهو مختلف معه شكلا وفي بعض التفاصيل، مثل أداء العاصب للوارثات حصتهن نقدا وليس عينا حفاظا على إرث الأسرة،عكس الغرامات التي تؤدى عينا أو نقدا أو الاثنين معا حفاظا على قيمة الغرامة رغم تحول قيمة النقد، كما أن بعض المنقولات لا تقسم بمستوى القرابة وإنما على رؤوس الأشخاص، والحديد والسلاح بصفة عامة لا إرث فيه للنساء.
يمكن في تعقدين غريس أن يحل الجد أحفاده محل أبيهم المتوفى، ويتم ذلك بعقد، وعندما لا يكون للهالك سوى بنت فهي تمثل أباها في التركة وبذلك تملك حصة الرجل أو تأخذ الحصة المساوية لحصص عماتها، ويقال إرورات إودغار بمعنى أحلها في محل الهالك.
أما بالنسبة للحبس فيجب فهمه في إطاره العام، إذّ يمارس غالبا من طرف أسر مرابطة أو شريفة، الزوايا غالبا، وهو في أصله وقف عقار للخير، لكنه مع تواتر الزمن يصبح ملكية الذكور وتحرم منه النساء على أساس تعويضهن بإيواء المطلقات والأرامل والعوانس ، وهو إجراء مشروط بالبنية الثقافية والاجتماعية العامة.
إننا في غريس في مجتمع البين بين، لا في المجتمع البدائي ولا في مجتمع المؤسسات، إن الأوفاق المنظمة للاجتماع هنا مطابقة وإجرائية وتابعة للواقع وشروطه من جهة وذكاء وعبقرية الساكنة من جهة ثانية.
IV- نموذج تعقيط أيت مسري[1]
وهي وثيقة فريدة من نوعها، حيث همت بنودها الأحوال الشخصية فقط، ويفسر الأمر سوسيولوجيا وتاريخيا بظروف اقتصادية صعبة، بداية القرن الثامن عشروالتي كانت عقود جفاف في الواحة، وهي ظروف تصبح فيها المرأة يدا عاملة جد مهمة من جهة، كما يصعب في مثل تلك الظروف أن ينشئ الشباب أسرا من جهة أخرى ، فتقع تجاوزات أخلاقية تهدد بنية القبيلة، الأمر الذي يستدعي ضبط شروط ملزمة، وقد جاءت كل البنود غير ردعية وإنما إرجاعية réstitufs et non répressifs وهي حالة متطورة في منظور فقهاء القانون.
بعد الحمدلة وذكر الحملاء تأتي البنود تباعا:
1- كل من اعترض من الزواج من امرأة وتزوجها المعترض عليه رغم ذلك يدفع مائتي مثقال ويرجع المرأة للمعترض.
2- كل من يهرب مع زوجة آخر يدفع مائتي مثقال ويرجع الزوجة.
3- كل من يغتصب زوجة تملك طفلا، على زوجها أن يقدم عشرة مقسمين مختارين من عشرين خيمة حتى يثبت دعواه وعلى المتهم أن يدفع مائتي مثقال..
4- كل زوج ضبط زوجته في حالة زنى، على الزوج أن يقدم عشرة مقسمين إذا أنكرت الزوجة، ويأخذ خمسين مثقالا ويطلق، وإذا أرجع زوجته يرد الخمسين مثقالا.
5- كل من تتهمه امرأة حامل بكونه أب حملها، يحلف مع عشرة من "أخوته" وإلا حلف أب المرأة مع عشرة، ويتزوج المتهم المرأة بصداق يساوي عشرة مثاقيل وصائر العرس.
6- كل من تتهمه امرأة غير حامل بالاعتداء الجنسي عليها وقدمت عشرة مقسمين على المتهم أن يدفع عشرين مثقالا، اللهم إذا قبل الأب أن يزوجها إياه.
7- كل مزراق( ضامن) يريد أن يستقيل وأن يتخلف عن وعده يعطي مائة مثقال ويجبر على البقاء في وظائفه.
8- كل من ارتكب إحدى هذه الشروط يؤدي الذعيرة وإذا رفض أن ينصاع للقواعد يتابع حتى يذبح عجلا باسم الجماعة إضافة إلى صوائر المتابعة ويؤذي ذعائر لأخطاء التي ارتكبها.
9- عندما يعترض شخص ما على زواج امرأة من شخص آخر، ويتزوجها المعترض عليه رغم ذلك مدعيا جهله بالاعتراض، على المعترض القسم مع عشرة من ثلاثين خيمة.
كتب في الأيام الأولى من جمادى الأولى 1213ه. عبد ربه محمد بن عبد الرحمن بن منصور الحارتي التزياتي كان الله وليه.
نتائج
هكذا يتضح أن الأعراف هي القانون الحقيقي والفعلي بتعبير الأنثربولوجي ليفي برول، لأنها وببساطة تعبير ملائم ومطابق لليومي برهاناته الفعلية وليس المتخيلة أو المنتظرة أو النظرية أو المقتبسة، وهو درس يجب أن يتفهمه تشريعنا وقضاؤنا حتى يعبران عن العمق الأنثروبولوجي والسوسيولوجي المغربيين.