في جينيالوجيا المدرسة

Publié le par Kostani

 

في جينيالوجيا المدرسة المغربية

 

الواحات نموذجا

 

 

لقد مثل الجامع أو المدرسة القرآنية بالنسبة لطفل الواحة مجال بناء الهوية واستمراريتها على الدوام ، وذلك بالتنشئة والتأهيل والتعلم، إذ كان الطفل يجد  منذ سنواته الأولى في تعاليم الفقيه مسلكية مزدوجة دينية ودنيوية .

 

 ورغم أن البعد الأخروي كان أساسيا باعتبار التقوى الهدف الأسمى والأول المتوخى من حفظ القرآن، ولو بدون أدنى محاولة في الفهم، فإن الدنيوي لم يكن غائبا عبر التعاطف مع سلوك وخبرة المعلم الفقيه، والذي غالبا ما يطبع بشخصيته القوية والمهابة سلوك مريديه مدى الحياة .

 

 هذه المدرسة ، إن استعملنا مصطلحات العصر ، لا تمثل في غريس سوى الأساسي أو الابتدائي إن صح التعبير، أما الإعدادي والثانوي فلا يحصل إلا بالسفر إلى تافيلالت ولا يتم العالي إلا بالرحيل إلى القرويين .

 

هذا النظام التعليمي ، والذي وصف غالبا وبتسرع في الأحكام بالسلب ، كان جد وظيفي وعضوي ومطابق للبنيات الاجتماعية والذهنية آنذاك . لقد كان بيداغوجيا استطاعت أن تحافظ إيجابيا على الهوية وأن تؤبد خصوصيتها، وذلك بالبعد الديني المتوازن إن لم نقل المفتح للشخصية أحيانا وذلك في تجاوزها للوضع القبلي تجاه الأمة ، الأمر الذي يهب الجذور اللازمة والعميقة لشجرة الهوية [1].

 

 لم يكن الجامع عتاقة ومحافظة تامتين ، كما قد تدعي بعض المقاربات العلموية المتسرعة ، بل كان بنية فوقية ونظرة إلى الكون وتشكيلة ذهنية وإدراكية ومعرفية لمجتمع جد واع بقيمه ويحاول ، كما في جميع المجتمعات ، إعادة الإنتاج والتوازن بتسامح مشهود، وأحيانا بمعايير ديداكتيكية مقبولة ، فارقية مثلا . إنه التقليد في معناه العام .

 

لقد كان الديداكتيك المتبع في المدرسة القرآنية استنباطيا بالأساس لاعتماده على متن أولي هو القرآن ومن ثمة العودة إليه باستمرار ، الأمر الذي يستدعي تشغيل الذاكرة والتحايل عليها بآليات معهودة مثل التشخيص والتكثيف والتلخيص بالأراجيز والهوامش والطرر والمنظومات ... كما أن اختلاف السن بين التلاميذ فرض بيداغوجيا فارقية لم تخل من مرونة ومقدرة فائقة على إدارة المتعلمين، وهذا هو الوجه المضيء والإيجابي للمدرسة التقليدية ، إلا أن الاستقراء، كوجه آخر للعملية الإدراكية كان غائبا، حيث كان التوافق تاما بين المعلم والمتعلم والجماعة على اعتبار كل جديد بدعة . كما أن المستوى المعرفي للفقيه كان يبعده عن الاجتهاد حتى وإن رغب في ذلك ، ومن ثمة الطابع التنشيئي للعملية كلها ، ذلك الطابع الذي لا يبعدنا كثيرا عن العمق القبلي التأهيلي، الأمر الذي يقصي الجانب المعرفي والبحث عن الحقيقة. إنها مدرسة إعادة إنتاج المجتمع فحسب ، ومن ثمة مصالحتها مع أشكال التأهيل الأخرى غير المدرسية حتى وإن ارتبطت بتعاليم لائكية أو وثنية حتى . لقد تأسست المدرسة القرآنية إلى جانب وموازاة مع التمثلات اليومية ومن ثمة عدم إمكانيتها إنتاج الذهنية الموضوعية البانية للعلوم ، وتلك هي المعضلة بالنسبة للتلميذ التقليدي والذي لازال ربما متمدرسا في مدارسنا حتى الآن[2]، لأنه وببساطة لا يمكن إنتاج الموضوعية في مجتمع لا يدركها[3] .

 

تلك هي الحالة التعليمية التي وجد عليها المستعمر واحتنا، فكيف تعامل مع ذلك الإرث؟

 

بسهولة وبكل بساطة، لم يتعامل المستعمر مع أي إرث من هذه الزاوية، حيث حاول وبجدية وبصرامة تامتين أن يقطع قطعا تاما مع المدرسة القرآنية. فحتى معماريا تم القطع مع مدرسة محاطة بأسوار المحافظة، من سور المسجد حتى سور القصر مرورا بسور سلطة المعلم - الفقيه، لتبنى فصول جديدة ومستقلة خارج سور القصر، داخل المزرعة تارة ومحاذاة للحي الإداري تارة أخرى. ولم يكن التنقيل المجالي ذلك اعتباطيا بل كان محاولة تنقيل المجال من المقدس إلى اللائكية[4].

 

1- موجز القانون المدرسي الكولونيالي

 

في الصفحة الأولى للسجل المدرسي، يحرص على كتابة موجز للقانون الداخلي للمدرسة الكولونيالية . ومن المفيد إدراجه هنا حتى نتبين السياق العام لهذه المدرسة وتوجهاتها وأهدافها .

 

"تفتح المدارس العمومية لأطفال كل الجنسيات وكل الأديان . إلا أنه ، ومادام الأطفال المغاربة، مسلمون ويهود، يملكون مدارس خاصة بهم مكيفة مع إمكانياتهم اللغوية وحاجاتهم ، فإنه لا يقبل أي مغربي في المدارس الأوروبية بدون ترخيص خاص من المفتش الابتدائي .

 

تقسم هذه المدارس إلى مدارس حضانة وأخرى ابتدائية أساسية . ويمكن إلحاق أقسام أطفال بالمدارس الابتدائية[5] .

 

لا يقبل في المدارس الابتدائية الأساسية إلا الأطفال البالغين سن الخامسة على الأقل والرابعة عشر على الأكثر إذا لم تتوفر حضانة في البلدة، وأكثر من ست سنوات وأقل من أربعة عشرا إذا توفرت حضانة .

 

في مدارس البنات ، يمكن للأطفال من الجنسين أن يلتحقوا بالمدرسة منذ سن الرابعة ويشكلون قسم أطفال .

 

لا يمكن لأي طفل تجاوز سبع سنوات أن يقبل في مدرسة بنات .

 

 يمكن لأطفال من الجنسين بلغوا سن الثالثة أن يلتحقوا بالحضانة حسب الأماكن الشاغرة .

 

خارج الحالات السابقة لا يقبل أي طفل في المدارس دون رخصة خاصة من المفتش الابتدائي.

 

على مديري المدارس أن يتوفروا على سجل مرقم مطابق للنموذج المقرر ."

 

 

ماذا يمكن أن نستنتجه من هذا الموجز؟

 

- الميز واضح بين الأوروبي الذي يسجل بدون رخصة في المدارس الأوروبية والمغربي، مسلما كان أم يهوديا ، والذي يستوجب تسجيله ترخيصا من السلطات المدرسية .

 

- الحرص على التمييز بين أنواع من المدارس : الأوروبية وغير الأوروبية المغربية ، الحضانة، الابتدائي ، الأساسي ، مدارس  أطفال .

 

- توسيع المدى الزمني للتسجيل حتى يشمل غير المتمدرسين ، وهي  رغبة في توسيع مجال التمدرس ومحو الأمية .

 

2- التمدرس وتجلياته البنيوية والمؤسساتية

 

تأسست المدرسة الكولونيالية بغريس سنة 1935 ، أربع سنوات بعد احتلال الواحة . وقد تشكل تلامذتها من المقيمين بالفيلاج أساسا من أبناء "الكوم" وباقي الموظفين والتجار وبعض الحرفيين، ولعل الطبيعة "الديموقراطية" للمدرسة الفرنسية كانت وراء تواجد حتى بعض أطفال الفقراء من مزارعين وبنائين وحمالين وبائعين متجولين بل وحتى معدمين، إلى جانب أبناء الأعيان وأبناء الضباط أنفسهم . ولعل الملاحظة الأولى التي كانت تثير الانتباه لدى فحص سجلات التلاميذ، انقطاعهم عن التمدرس وذلك لأسباب عدة أوردها المسجلون لهذه السجلات من مثل الفشل المدرسي وتعلم الحرف والشغل والطرد، بل وحتى بدون أسباب . كما لوحظت مغادرة مكثفة لجميع التلاميذ اليهود بين سنتي 1951 - 1960 وهي فترة الهجرة إلى فلسطين . أما جل الأساتذة فكانوا فرنسيين مع بعض الجزائريين وقلة من المغاربة . وإذا كان هناك نوع من التعامل الديمقراطي في تسجيل جل أطفال ساكنة الفيلاج، فإن الأمر كان مختلفا بالنسبة لأهل القصور حيث كان تمدرس الفئات الدنيا ، الحراطين خصوصا ، جد ضئيل وامتنع الشرفاء والمرابطون والفقهاء عن تسجيل أبنائهم في المدارس المسيحية كما كانوا يسمونها . بل وتم بعض التسجيل عنوة .

 

أما بالنسبة لنظام المدرسة فقد كان يعتمد على تلقين أساليب الوقاية من نظافة وتطهير بل وغذاء إلى جانب الدروس المعرفية ، الأمر الذي أعطى للمؤسسة طابعا كولونياليا بالمعنى الضيق للكلمة ، حيث كانت الروح العسكرية الإنضباطية جد حاضرة .

 

 

3- المدرسة الكولونيالية وصدمة اللقاء أو فوبيا التنصير

 

عبر الخوف من المدرسة الاستعمارية ، والذي اتخذ صورة خواف التنصير رغم غموضه ولبسه، ليس عن الخوف من ضياع العقيدة فحسب ومن ثمة اجتثاث الهوية كلها، بل وعن صيرورة الهوية أيضا، عبر المزاحمة القوية لأساليب التنشئة التقليدية الدنيوية التأهيلية والدينية الميتافيزيقية .

 

لقد شكل انتصار النصارى، بعلمهم "الشيطاني"، بقوة وسرعة إنجازه، تقنيا وإداريا وعمرانيا، تهديدا حقيقيا للأساليب التعليمية التقليدية المبنية على علاقة سلطة حكمة الشيوخ بانصياع الشباب وتقوى المرشد بتبعية المريد. وآذنت الأشكال التعليمية الجديدة ليس بتمرد وثورة الأبناء على الأباء فحسب، بل وبضرورة إعادة النظر في العلاقات، خصوصا تبعية الأباء المادية والمعرفية للأطفال الذين تعلموا وبسرعة مالا يمكن أن يتعلمه أي إنسان تقليدي ولو وظف عمره كله. لقد كانت رجة كبرى في مستوى العلاقات العاطفية حبا وإعجابا وغيرة وتعاطفا واحتراما ... وتخلخلت عاطفة اعتبار الذات بين الغرور تجاه التقليد والدونية تجاه الحداثة، الأمر الذي  أحدث صورة مشوهة للذات[6] .

 

لم يعد التعلم إذا تأهيلا للشجاعة والإقدام، أو معرفة بنود أعراف القبيلة، أو تلمسا غرائز يا فطريا للعناصر واستئناسا بسلوك الطبيعة إما صيدا أو زراعة أو جمع معلومات عن القدرات اللوجيستيكية - المورفولوجية للعدو، كما لم يعد تهيئة الحس والجسد واستنفار الذات، أو تدبيرا لليومي وللماء  ريا وعمارة ووضوءا .

 

لقد أصبح التعلم أشياء أخرى، انضباط ومثابرة لم يستطع الأباء فهم جدواهما فألصقوا بهما الصبيانية مادام لا يعدان لغزو أو جهاد. وحساب وعمليات ذهنية فارغة تبدو لهم مترفة مادامت لا تستدعيهما تجارة عطار ولا حانوتي ولا حتى عد محاصيل. وتأتي الطامة في استبدال تاريخ الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين والصلحاء والأولياء والمجاهدين والصديقين والشهداء بتاريخ شارلماني وجان دارك وتأجيج العداء للألمان ... واستبدال لغة القرآن برطانة لاملح ولا ذوق فيها. بكلمة واحدة، ليس في المدرسة الأوروبية ما يفرح وليس فيها ما يسعد، إنها باب اجتثاث الهوية والمسخ، ذلك هو التمثل المحلي للمدرسة، مدرسة الحرف وا

Publicité

Publié dans tadighoust

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article