المدرسة تابع
الحرف والكتابة، تلك الكتابة المهددة وبعمق للذاكرة الشفهية أساس الشخصية التقليدية ومن ثمة الشعور بالرداءة والضآلة والتآكل وفقدان الحس التاريخي، إذ لم يبق للذات غير حكايات وراء الموقد وسمر الليل وتمرير حكايات الأيام للأطفال تأبيدا لأشكال العتاقة.
لقد أصبح التوجه نحو المستقبل مع المدرسة الكولونيالية يفرض نفسه وهو مستقبل غير واضح المعالم ولم يهيأله بما فيه الكفاية بالنسبة للذي ألف الارتكاز دوما على ماض يعرف فيه كل واحد مكانته الخاصة، الحامي والمحمي، الرجل والمرأة، الشيخ والطفل، وكل ذلك في مجال سعيد لا ينتج الكآبة أو العصاب، حيث الإحساس بالذات والشعور والوعي بها كان جد ضئيل، رغم ما قد يبدو من عكس ذلك، استسلاما للمرشد الدنيوي، الشيخ أو الأخروي، الفقيه أو الولي. وإذا الذات تتعرى أمام نفسها دون مرشد وهي غير مسلحة في سياق التفاوت التاريخي، فكانت المزاحمة لمزاج جد طبيعي.
إن فهم الصراع القائم بين الساكنة والمدرسة الكولونيالية لا يستقيم إلا باستحضار صراع الشفهية مع الكتابة، صراع التلقائية والطبيعية مع التكلف والقبض والتدجين. وهو صراع وإن تم التصالح فيه حول كتابة كلام الله أو المواثيق العرفية حيث الرضى والتوافق في الأول وليس الأمر في الثاني سوى تسجيل كتابي لثقافة شفهية.
لقد جاءت المدرسة الكولونيالية لتؤسس خطاب الكتابة إلى جانب خطاب الطبيعة والشفهية. وكانت الكتابة المدرسية تدجينا ، ولعل الاستعمار الجسدي الشبيه بالتهيئة العسكرية بل والسجنية أحسن تعبير عن ما نذهب إليه، معلم بلباس الغريب يتكلم لغة منفرة تفوح منها روائح طبخ غير مألوف من تبغ وبن وخمر ومقليات ومشويات، وقد كانت كلها ملذات لم يكن يدرك التلميذ المحلي معناها، فتستنفر حواسه وبطنه الجائع باستمرار كلما مر محايدا لسكن أحد الضباط أو الطبيب. كما أن العين مستنفرة أيضا عندما تشاهد أجسادا شبه عارية تلعب ألعابا غريبة ...هذا المعلم الذي يجلس على كرسي خشبي ويكتب على مكتب غريب، في حين كان الفقيه يجلس على الأرض كتلامذته ومن ثمة قربه الشديد منهم وقوة وحميمية التواصل معهم، وتلك المصطبة التي لا مبرر لها سوى التمييز و التفريق، وذلك اللوح الأسود والضرب على أطراف الأصابع بالمسطرة والوقوف على رجل واحدة في الركن دون التفات . لقد كانت كلها أساليب ترويض وتدجين لأطفال لازالت بطولات آبائهم طرية.
لم تكن البيداغوجيا الكولونيالية ديداكتيكا وتعلما بل كانت آلية ضبط ومراقبة، فمنذ تهيئ الموقع خارج السور وشكل المباني وأثاث القاعات حتى قانونها المسير والبرامج، كان كل ذلك يمكن أن يلقن أي شيء إلا تفتح الشخصية واستقلاليتها ورشدها. لقد كانت مدرسة وضعت أساسا لتفريخ خريجين تقنيين لكن بدون مبادرة تمكن من مسؤولية خلق المشاريع أو تتبعها أو تحمل مسئوليتها.
إن المدرسة الكولونيالية التي اتخذت الحداثة شعارا لها بالعقلانية والوضعية المبنيتين على الانضباط والنظام والمثابرة والنفعية تناست البعد الثالث في المدرسة الفرنسية والذي لا يمكن أن تستقيم أية عقلانية بدونه وهو روح الاستقلال والمبادرة[1]. ومن ثمة جاءت مقاومة التمدرس الذي يمكن أن يسحق قيم شخصية انبنت عبر قرون. وقد عبر عن كل ذلك بخواف التنصير لأن المقاومة الميتافيزيقية دوما هي أعلى المقاومات.
44- الخريج والتجربة غير السعيدة
لقد استطاعت المدرسة القرآنية، رغم كل شيء، أن تدمج خريجها في المحيط الاجتماعي والثقافي لأمته، وذلك بالصلاة والقيم المشتركة والنظرة الموحدة إلى الكون . أما الخريج الكولونيالي فرغم اكتسابه حس النظام والعقلانية والانضباط واحترام الوقت، وهي أمور جد أساسية يمكن اعتبارها بدون تردد باب الحداثة الواسع، فإنه لم يستطع أن يتجاوز كونه موظفا بالمعنى الضيق والدارج للكلمة ، موظف عملي يملك حس النظافة، المبالغ فيه أحيانا، تلك المبالغة التي يمكن أن تعبر عن وسواس ما عميق في الذات مع غياب تام أو شبه تام لثقافة تراثية تربطه بالجذور ولحس المشروع الذي يمكنه من أن يكون سيد نفسه.
لقد كانت بيداغوجيا العقلانية المراقبة والنفعية المرمقة .
خاتمة
إن التجربة غير السعيدة التي عاشها جيل الأربعينات والخمسينات مع المدرسة الاستعمارية، سيكون لها أثر سلبي على المدرسة المغربية المستقلة انطلاقا من عقدة الدونية وسوء تصور الذات . هل هو ذلك التلميذ الكولونيالي الذي أصبح مهندس المدرسة الحالية ؟ صحيح أن المدرسة بؤرة متمفصلة للرهانات الاجتماعية وهو الجانب الأكثر إثارة للأسئلة السوسيولوجية؟ . لكن عندما تكون السلوكيات متخشبة والأخطاء مكررة والعراقيل والمحبطات مجانية ، لابد أن تحضر تفسيرات من نوع تحليل نفسي أو مرضي نفسي، ولا بد من الالتجاء إلى عقد مثل عقدة أوديب مضاعفة (مجتمع بتقاليد ذكورية ، الفقر الرمزي والمادي والمعرفي...) كلها قرائن لا تدع مجالا للشك في أن وراء الإختيارات (طول المقررات... الاهتمام بالكم زمنا ومضامين معرفية... المراقبة المبالغ فيها... غياب التنشيط الثقافي الحقيقي ... عدم انفتاح المدرسة على محيطها السوسيوثقافي والاقتصادي ... عدم تمفصل المستويات بعضها ببعض: الأساسي والثانوي والعالي ... غياب وتغييب الإبداع والبحث ... عدم تكافؤ الفرص ... ) كلها مؤشرات تحيل، مع عوامل أخرى، إلى القاع الكولونيالي للمدرسة المغربية.
[1] -DURKHEIM, Emile.- Education et Sociologie. QUADRIGE. PUF. 5° Ed. 1985. «L’esprit de discipline l’esprit d’abnégation et l’esprit d’autonomie. ».p. 26.